نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٦ - أبو الحسن علي بن نافع (زرياب) المغني
إلى أصداغهم ـ حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري. هوت إليه أفئدتهم ، واستحسنوه.
وممّا سنّه لهم استعمال المرتك المتّخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم [١] ، ولا شيء يقوم مقامه ، وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبله ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد ، فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر [٢] ، فدلّهم على تصعيدها بالملح ، وتبييض لونها ، فلما جرّبوه أحمدوه جدّا.
وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسمّاة بلسانهم الإسفراج ، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله.
وممّا اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا [٣] ، وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلّى بالسنبوسق والكباب ، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب.
وممّا أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضّة ، وإيثاره فرش أنطاع الأديم [٤] الليّنة الناعمة على ملاحف الكتّان ، واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقلّ مسحة ، ولبسه كلّ صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به ، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وجعلهم [٥] للملوّن من يوم مهرجان أهل البلد المسمّى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونيه الشمسي من شهورهم الرومية ، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملوّنة ، ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحرّ والبرد المسمّى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخزّ والملحم والمحرّر والدّراريع [٦] التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي ، ثياب العامة ، وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة ، وذلك عند قرص البرد في الغدوات ، إلى أن يقوى البرد فينتقلون إلى أثخن منها من الملونات ، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء.
[١] المغابن : جمع مغبن ، وهو كل مكان يكثر فيه العرق من الجسد كالإبط.
[٢] الوضر : الوسخ.
[٣] في أ : «بالنقابا». والتفايا : من بسائط الأطعمة ، وهي أنواع.
[٤] أنطاع : جمع نطع ، وهو بساط من جلد. والأديم الجلد.
[٥] في ب : «وخلعهم للملون».
[٦] الدراريع : جمع درّاعة ـ بضم الدال ـ وهي جبة من صوف مشقوقة المقدم.