نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٤٧ - أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي
قال ابن بسام [١] : وما أظنّ أحدا يجترئ على مثل هذا ، وإنما صاعد اشترط أن لا يأتي إلّا بالغريب غير المشهور ، وأعانهم على نفسه بما كان يتنفّق به [٢] من الكذب.
وحكى ابن خلكان [٣] أن المنصور أثابه على كتاب «الفصوص» بخمسة آلاف دينار! ومن أعجب ما جرى له أنه كان بين يدي المنصور ، فأحضرت إليه وردة في غير وقتها لم يستتمّ فتح ورقها ، فقال فيها صاعد مرتجلا : [بحر المتقارب]
| أتتك أبا عامر وردة | يذكرك المسك أنفاسها | |
| كعذراء أبصرها مبصر | فغطّت بأكمامها راسها |
فسرّ بذلك المنصور ، وكان ابن العريف حاضرا ، فحسده ، وجرى إلى مناقضته ، وقال لابن أبي عامر : هذان البيتان لغيره ، وقد أنشدنيهما بعض البغداديين لنفسه بمصر [٤] ، وهما عندي على ظهر كتاب بخطّه ، فقال له المنصور : أرنيه ، فخرج ابن العريف ، وركب وحرّك دابته حتى أتى مجلس ابن بدر ، وكان أحسن أهل زمانه بديهة ، فوصف له ما جرى ، فقال هذه الأبيات ودسّ فيها بيتي صاعد : [بحر المتقارب]
| عدوت إلى قصر عبّاسة | وقد جدّل النوم حرّاسها [٥] | |
| فألفيتها وهي في خدرها | وقد صرع السكر أناسها [٦] | |
| فقالت : أسار على هجعة؟ | فقلت : بلى ، فرمت كاسها | |
| ومدّت يديها إلى وردة | يحاكي لك الطّيب أنفاسها | |
| كعذراء أبصرها مبصر | فغطّت بأكمامها راسها | |
| وقالت : خف الله لا تفضحن | ن في ابنة عمّك عبّاسها | |
| فولّيت عنها على غفلة | وما خنت ناسي ولا ناسها [٧] |
[١] انظر الذخيرة ٤ / ١ : ٨.
[٢] يتنفق به : يروج به.
[٣] وفيات الأعيان ٢ / ١٨١.
[٤] في ب : بعض البغداديين بمصر لنفسه.
[٥] جدل النوم حراسها : أي ألقاهم نوّما صرعى. وقد ورد في الذخيرة وفي ب : «عشوت إلى قصر عباسة».
[٦] كذا في ب ، وفي الذخيرة. وهي جمع آنس. وفي أ«آناسها» جمع أنس.
[٧] في الذخيرة «فولّيت عنها على عفة».