نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٠٢ - بلج بن عياض القشيري وبعض الداخلين إلى الأندلس
وأصبح الناس منتظرين لقتل الأسارى ، فإذا بهم قد طلع عليهم لواء فيه موكب ، فنظروا فإذا أبو الخطار قد أقبل واليا على الأندلس ، وهو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي. وذكر ابن حيان أنه قدم واليا من قبل حنظلة بن صفوان صاحب إفريقية ، والخليفة حينئذ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وذلك في رجب سنة خمس وعشرين ومائة ، بعد عشرة أشهر وليها ثعلبة بن سلامة ، قال : وكان مع فروسيته شاعرا محسنا ، وكان في أوّل ولايته قد أظهر العدل فدانت له الأندلس ، إلى أن مالت به العصبية اليمانية على المضرية ، فهاج الفتنة العمياء ، وكان سبب هذه الفتنة أن أبا الخطّار بلغ به التعصّب لليمانية أن اختصم عنده رجل من قومه مع خصم له من كنانة كان أبلج [١] حجّة من ابن عم أبي الخطار ، فمال أبو الخطار مع ابن عمّه ، فأقبل الكناني إلى الصّميل بن حاتم الكلابي أحد سادات مضر ، فشكا له حيف أبي الخطار [٢] ، وكان أبيّا للضيم ، حاميا للعشيرة ، فدخل على أبي الخطار ، وأمضّ عتابه [٣] ، فنجهه [٤] أبو الخطار ، وأغلظ له ، فردّ الصميل عليه ، فأمر به أبو الخطار ، فأقيم ودعّ قفاه [٥] حتى مالت عمامته ، فلمّا خرج قال له بعض من على الباب : أبا جوشن ، ما بال عمامتك مائلة؟ فقال : إن كان لي قوم فسيقيمونها. وأقبل إلى داره ، فاجتمع إليه قومه حين بلغهم ذلك ممتعضين ، فباتوا عنده ، فلمّا أظلم الليل قال : ما رأيكم فيما حدث عليّ فإنه منوط بكم؟ فقالوا : أخبرنا بما تريد ، فإنّ رأينا تبع رأيك ، فقال : أريد والله إخراج هذا الأعرابي من هذا السلطان على ما خيّلت ، وأنا خارج لذلك عن قرطبة ، فإنه ما يمكنني ما أريد إلّا بالخروج ، فإلى أين ترون أقصد؟ فقالوا : اذهب حيث شئت ، ولا تأت أبا عطاء القيسي ، فإنه لا يواليك على أمر ينفعك ، وكان أبو عطاء هذا سيّدا مطاعا يسكن بأستجة ، وكان مشاحنا للصّميل ، مساميا له في القدر ، فسكت عند ذكره أبو بكر بن الطفيل العبدي ، وكان من أشرافهم ، إلّا أنه كان حدث [٦] السنّ ، فقال له الصميل : ألا تتكلم؟ قال : أتكلّم بواحدة ما عندي غيرها ، قال : وما هي؟ قال : إن عدوت [٧] إتيان أبي عطاء وشتتّ أمرك به لم يتمّ أمرنا وهلكنا ، وإن أنت قصدته لم ينظر في شيء ممّا سلف بينكما ، وحركته الحمية لك ، فأجابك إلى ما تريد ، فقال له الصميل : أصبت الرأي ، وخرج من ليلته ، وقام أبو عطاء في نصرته على ما قدّره العبدي ، وعمد إلى ثوابة بن يزيد الجذامي أحد أشراف اليمن وساداتهم ، وكان ساكنا بمورور وقد استفسد إليه أبو الخطار ،
[١] أبلج حجة : أظهر وأبين وأقوى.
[٢] الحيف : الظلم ، وانتقاص الحق.
[٣] أمضّ عتابه : اشتد فيه وآلم.
[٤] نجهه : رده ردا قبيحا.
[٥] دعّ قفاه : ضربه.
[٦] في ب : حديث السن.
[٧] عدوت : جاوزت.