نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٠٠ - بلج بن عياض القشيري وبعض الداخلين إلى الأندلس
أخيه معه ، فقامت قيامة هشام لمّا سمع بما جرى عليه ، فوجّه لهم حنظلة بن صفوان فأوقع بالبربر وفتح الله تعالى على يديه. ولمّا اشتدّ حصار بلج وعمّه كلثوم ومن معهما من فلّ أهل الشام [١] بسبتة وانقطعت عنهم الأقوات وبلغوا من الجهد إلى الغاية استغاثوا بإخوانهم من عرب الأندلس ، فتثاقل عنهم صاحب الأندلس عبد الملك بن قطن لخوفه على سلطانه منهم ، فلمّا شاع خبر ضرهم عند رجال العرب أشفقوا عليهم ، فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين مشحونين ميرة [٢] أمسكا من أرماقهم [٣] ، فلمّا بلغ ذلك عبد الملك بن قطن ضربه سبعمائة سوط ، ثم اتّهمه بعد ذلك بتغريب الجند عليه [٤] ، فسمل عينيه [٥] ، ثم ضرب وصلب عن يساره كلبا ، واتفق في هذا الوقت أنّ برابر الأندلس لمّا بلغهم ما كان من ظهور برابر العدوة على العرب انتقضوا على عرب الأندلس ، واقتدوا بما فعله إخوانهم ، ونصبوا عليهم إماما ، فكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن ، واستفحل أمرهم ، فخاف ابن قطن أن يلقى منهم ما لقي العرب ببرّ العدوة من إخوانهم ، وبلغه أنهم قد عزموا على قصده ، فلم ير أجدى من الاستعداد بصعاليك عرب الشام أصحاب بلج الموتورين ، فكتب لبلج وقد مات عمّه كلثوم في ذلك الوقت ، فأسرعوا إلى إجابته ، وكانت أمنيتهم ، فأحسن إليهم ، وأسبغ النعم عليهم ، وشرط عليهم أن يأخذ منهم رهائن ، فإذا فرغوا له من البربر هزمهم إلى إفريقية ، وخرجوا له عن أندلسه ، فرضوا بذلك ، وعاهدوه عليه ، فقدّم عليهم وعلى جنده ابنيه قطنا وأمية ، والبربر في جموع لا يحصيها غير رازقها ، فاقتتلوا قتالا صعب فيه المقام ، إلى أن كانت الدائرة على البربر ، فقتلتهم العرب بأقطار الأندلس حتى ألحقوا فلّهم بالثغور ، وخفوا عن العيون ، فكرّ الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم ، فاشتدّت شوكتهم ، وثابت همتهم [٦] ، وبطروا ، ونسوا العهود ، وطالبهم ابن قطن بالخروج عن الأندلس إلى إفريقية ، فتعلّلوا عليه ، وذكروا صنيعه بهم أيام انحصارهم في سبتة ، وقتله الرجل الذي أغاثهم بالميرة ، فخلعوه ، وقدّموا على أنفسهم أميرهم بلج بن بشر ، وتبعه جند ابن قطن ، وحملوا عليه في قتل ابن قطن ، فأبى فثارت اليمانية وقالوا : قد حميت لمضرك ، والله لا نطيعك ، فلما خاف تفرّق الكلمة أمر بابن قطن فأخرج إليهم وهو شيخ كبير كفرخ نعامة قد حضر وقعة الحرّة مع أهل اليمامة ، فجعلوا يسبّونه ، ويقولون له : أفلتّ من
[١] الفل : الجماعة المنهزمون ، وجمعه فلول وأفلال.
[٢] الميرة : الطعام.
[٣] الأرماق : جمع رمق ، وهو بقية الروح.
[٤] في ب «بتضريب الجند عليه».
[٥] سمل عينيه : فقأهما بحديدة محمّاة.
[٦] ثابت همتهم : عادت.