نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٠١ - نجم الدين بن مهذب الدين البغدادي
وكنت لا أتحقّق من أي البلاد هو من المشرق ، ثم إني علمت أنه من بغداد إذ وقفت على كتابين كتبهما في شأن العناية به الأديب العلامة أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي : أحدهما لأبي العلاء حسان ، والثاني للكاتب أبي الحسن العنسي ، وهو الذي يفهم منه أنه من بغداد.
ونصّ الأول : [بحر الكامل]
| يا ابن الوصيّ ، إذا حملت وصيّتي | أوجبت حقّا للحقوق يضاف | |
| وتحيّتي كلّ التحايا دونها | وكذاك دون رسولها الأشراف | |
| أحسن بأن تلقى ابن حسّان بها | مهتزّة لورودها الأعطاف | |
| كالروض باكره الندى فلعرفها | يا ابن النبيّ على النديّ مطاف [١] | |
| وعلاك إنّ أبا العلا ومكانه | يلفى به الإسعاد والإسعاف | |
| وأحقّ من عرف الكرام بوصفهم | من جمّعت منهم له أوصاف |
هذه يا سيدي ، تحية تجب لها إجابة وحيّة [٢] ، وتصلح بها هشاشة وأريحية ، أودعتها بطن هذه العجالة ، وبعثتها مع صدر من أبناء الرسالة ، ولله درّه من راضع درّ النبوّة ، متواضع مع شرف الأبوّة ، نازعته طرف الأشعار ، وأطراف الأخبار ، فوجدته [٣] بحرا حصاه الدّرّ النفيس ، وروضا يجني منه أطايب السمر الجليس ، وينعت بنجم الدين وهو كنعته نجم يضيء سناه ، ويحلّ بيتا من الشرف ربّه بناه ، وقد جاب الفضاء العريش ، ورأى القصور الحمر والبيض ، وورد الحجون ، بعد ما شرب من ماء جيحون ، وزار مشاهد الحرمين ، ثم سار في أرض الهرمين ، وفارق إفريقية لهذا الأفق مختارا ، وعبر إلى الأندلس فأطال بها اعتبارا ، وتشوّق إلى حضرة الأنوار المفاضة ، والنعم السابغة الفضفاضة [٤] ، وجعل قصدها بحجّة سفره طواف الإفاضة ، وهمّه أن يشاهد سناها العلوي ، ويبصر ما يحقر عنده المرئي والمروي ، وهي غاية يقول للأمل : عليها أطلت حومي ، وجنّة يتلو الداخل لها (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)) [يس : ٢٦][٥] وسيدي هو منها باب على الفتح بني ، وجناب عنان الأمل إليه ثني ، وقصده من هذا الشريف أجلّ قاصد ، وأظلّته
[١] النديّ : النادي.
[٢] وحية : سريعة.
[٣] في ب ، ه : «فوجدت بحرا».
[٤] النعم السابغة الفضفاضة : الكثيرة الزائدة.
[٥] إشارة إلى قوله تعالى : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ). سورة يس الآيتان : ٢٦ ، ٢٧.