نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٨٠ - بعض ما دار بين المؤلف وأهل الشام
| وأخلاقك الغر اللواتي كأنها | تساقط أنداء الغمام على الزّهر |
سيدي الذي عبوديتي إليه مصروفة ، ودواعي محبتي لديه موفورة وعليه موقوفة ، علم الله سبحانه أنني لا أزجّي أوقاتي إلا بذكراه ، ولا أرجّي اليمن من ساعاتي إلا باستنشاق نسيم ريّاه ، وأنني إلى طلعته أشوق من الصادي إلى ماء صداء [١] ، ومن كثير عزة إلى نوء تيماء. [بحر الوافر]
| يرنّحني إليك الشوق حتّى | أميل من اليمين إلى الشمال | |
| ويأخذني لذكراك اهتزاز | كما نشط الأسير من العقال |
ولي على صدق هذه الدعوى من نباهة لبه شاهد معدّل ، ومن نزاهة قلبه مزكّ غير ملوم ولا معذل ، كيف لا ومطالع البيان مشرقها من أفلاك فهومه ، وجواهر التبيان مقذفها من بحار علومه ، وهو بحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار ، وجبل الحلم الذي رسخ بالهيبة والوقار : [بحر الطويل]
| لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد | معيبا ولا خلقا من الناس عائبا |
وما ذا عسى أصف به مولانا وقد عجز عن وصفه لسان كل واصف ، وحار في بث فضائله أرباب المعارف والعوارف : [بحر المجتث]
| فلو نظمت الثريّا | والشّعريين قريضا | |
| وكاهل الأرض ضربا | وشعب رضوى عروضا | |
| وصفت للدرّ ضدّا | وللهواء نقيضا |
ولكنني أقول : الثناء منجح أنى سلك ، والسخيّ جوده بما ملك ، وإن لم يكن خمر فخل [٢] ، وإن لم يصبها وابل فطل [٣] ، هذا ، وقد أوصلنا مكاتيبكم الشريفة لأربابها ، فكانت لديهم أكرم قادم ، وأشرف منادم ، وقد تداولها الأفاضل وشهدوا أنها من بنات الأفكار ، التي لم يكشف عنها لغير سيدي حجب الأستار ، وقد وجدنا كلا منهم ملتهبا بجمرات الشوق ، متجاوزا حدّ الصبابة والتّوق ، ليس لهم شغل إلا ذكر أوصافكم الحميدة ، وبثّ ما أبديتموه بدروسكم المفيدة ، وما منهم إلا ويرجو بلّ الصدى ونقع الظمأ برؤية ذلك المحيا ، والتملّي
[١] صداء : اسم ماء جرى فيه المثل «ماء ولا كصداء».
[٢] مثل يضرب للاكتفاء بالقليل إذا لم يوجد الكثير.
[٣] الآية في سورة البقرة ٢٦٥(فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) الآية.