نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٨٦ - بعض ما دار بين المؤلف وأهل الشام
| وبألفاظك اهتدى فإذا عزّا | ك قال الذي له قلت قبلا | |
| قد بلوت الخطوب حلوا ومرّا | وسلكت الأيام حزنا وسهلا | |
| وقتلت الزمان علما فما يغ | رب قولا وما يجدّد فعلا |
قلت : هذه والله حلى مولانا الأستاذ الذي عرف للزمان فعله ، وفهم قوله ، قد استعارها أبو الطيب وحلّى بها مخدومه سيف الدولة ، وكيف أستطيع إرشاد شيخي لطريق الصبر ، وأذكره بالثواب والأجر ، وكيف وأنا الذي استقيت من ديمه [١] ، واهتديت إلى سبيل المعروف بشيمه ، وسلكت جادة البراعة بهداية ألفاظه ، وارتقيت إلى سماء البلاغة برعاية ألحاظه ، وهل يكون التلميذ معلما ، وهل يرشد الفرخ قشعما [٢] ، وكيف يعضد الشبل الأسد ، وهو ضعيف المنّة والمدد ، ومن يعلم الثغر الابتسام ، والصدر الالتزام ، ويختبر الحسام ، وهو مجرب صمصام ، وهل تفتقر الشمس في الهداية إلى مصباح؟ وهل يحتاج البدر في سراه إلى دلالة الصباح؟ ذلك مثل شيخي ومثل من يرشده إلى فلاح أو نجاح ، وإنما نأخذ عنه ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة ، ونحذو حذوه في الطريق الموصّلة إلى الجنة ، ثم لما وصلت في هذه القصيدة إلى قول أبي الطيب : [بحر الخفيف]
| إن خير الدموع عينا لدمع | بعثته رعاية فاستهلا |
رأيته قد أبدع فيه كل الإبداع ، ونظم ما كاد [٣] يجري الدمع من طريق السماع ، فقلت : إنا لله! وأكثرت الاسترجاع [٤] ، وقلت في نفسي : إن ذلك الدمع الذي بعثته رعاية الحقوق ، هو دمع شيخي الذي حمى الله قلبه الشفوق من العقوق ، للمصيبة في الأم ، التي حزنها يغم ، ومصابها يعم ، وكيف لا يعمنا مصابها ، وقد كمل للمصيبة كفاها الله بموتها نصابها ، هذا مع الفقد للسليلة الجليلة [٥] ، والكريمة الخليلة وأي دمع لم تبعثه تلك الرعاية؟ وأي نفس لا تتمنى أن تكون لسيدنا من كل ما يكره وقاية؟ وأي كبد قاسية ، لم تكن لأحبابها مواسية؟ وأنى يتسنّى ، للعبد المعنّى ، تسلية شيخه وهو الصبور الشكور ، العارف بالأمور ، العالم بتصاريف الدهور؟ وما ظننت أن بناني ، يساعدني على تحرير بياني ، لتعزية شيخي حفظه الله تعالى في أصله وفرعه ، وضرعه وزرعه ، وفرعه ونبته ، وأمه وبنته ، أما الوالدة الماجدة فإني إن أمسكت
[١] الديم : جمع ديمة ، وهي السحابة الممطرة.
[٢] القشعم : المسن من الناس والنسور.
[٣] في ب ، ه : «ما يكاد».
[٤] الاسترجاع : قول «إنا لله وإنا إليه راجعون».
[٥] السليلة : أراد ابنته.