نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٧٥ - بعض ما دار بين المؤلف وأهل الشام
وتلميذك الذي لم يزل مغترفا من فيض علومك معترفا بحقك ، من أسكنك لبه ، وأخلص لك حبه ، وأتخذك من بين الأنام ذخرا نافعا ، وكهفا مانعا ، ومولى رفيعا ، وشهابا ساطعا ، وتشبّث بأسباب علومك وتمسك [١] ، يهدي إليك سلاما كأنما تعطر بمسك ثنائك وتمسك ، واكتسب من لطف طبعك الرقة ، واستعار من سنا [٢] وجهك حلة مستحقة ، وتحية لم يكن مناه إلا أن تكون بالمواجهة ، والمحاضرة والمشافهة ، على أن فؤاده لم يبرح لك سكنا ، وأحشاءه لك موطنا ، ويبدي دعوات يحقق الفضل أنها من القضايا المنتجة [٣] ، وأن أبواب القبول لها غير مرتجة [٤] ، مقبلا أياديك التي وكفت بوابل جودها [٥] ، وكفت المهمّ بنتائج سعودها ، وحاكت الوشي المرقوم ، وسلكت الدّرّ المنظوم ، فهذا يرفل في حللها ، وهذا يتحلى بعقودها : [بحر الكامل]
| فهي التي تعنو لرقمها | ويغار منها الدرّ في تنضيدها | |
| ويحار أرباب البيان لنظمها | فهم بحضرتها كبعض عبيدها |
متمسكا من ولائك بوثيق العرا ، متمسكا من ثنائك الذي لا يزال الكون منه معنبرا ، متشوقا للقائك الذي بالمهج يستام وبالنفوس يشتري ، متشوقا إلى ما يرد من أنبائك التي تسرّ خبرا ، وتحمد أثرا ، أعني بذلك المولى الذي أقام بفناء الفسطاط مخيما ، وانتجع حماه رائد الفضل ميمما ، وشدّت لفضائله الرّحال ، ووقفت عندها بل دونها فحول الرجال ، وطلعت شموس علومه في سماء القاهرة ، فاختفت نجوم فضلائها والأشعة باهرة : [بحر الطويل]
| هو الشمس علما والجميع كواكب | إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب [٦] |
فهو العالم الذي سرى ذكره في الآفاق ، مسير الصّبا جاذب ذيلها النسيم الخفاق ، الذي أطلع شمس التحقيق من أفق بيانه ، وأظهر بدر التدقيق من تبيانه ، فلهذا عقدت عليه الخناصر بين علماء عصره ، وانقطعت [٧] إليه الأواصر من فضلاء مصره ، فلا يضاهيه في ذلك أحد في
[١] تمسّك : أي تعطر بالمسك. و «تمسك» في الفقرة السابعة أي تشبث وتعلق. وهذا جناس.
[٢] السنا : النور.
[٣] هذا من اصطلاحات أهل المنطق ، والمنتجة من القضايا عندهم التي تصح نتيجتها باطراد.
[٤] مرتجة : مغلقة ، موصودة ، مقفلة.
[٥] وكف يكف ، مثل وعد يعد ، أي سال. والوابل : المطر الغزير.
[٦] اعتمد في هذا البيت على بيت للنابغة الذبياني :
| فإنك شمس والملوك كواكب | إذا طلعت لم يبد منهن كوكب |
[٧] في ب : «وانعطفت إليه».