نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٩ - مصابيح جارية أخذت عن زرياب
وكان لزرياب جارية اسمها متعة [١] ، أدّبها وعلّمها أحسن أغانيه حتى شبّت ، وكانت رائعة الجمال ، وتصرّفت بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم تغنّيه مرّة وتسقيه أخرى ، فلمّا فطنت لإعجابه بها أبدت له دلائل الرغبة ، فأبى إلّا التستّر ، فغنّته بهذه الأبيات ، وهي لها في ظنّ بعض الحفّاظ : [بحر المجتث]
| يا من يغطّي هواه | من ذا يغطّي النهارا | |
| قد كنت أملك قلبي | حتى علقت فطارا [٢] | |
| يا ويلتا أتراه | لي كان ، أو مستعارا | |
| يا بأبي قرشيّ | خلعت فيه العذارا |
فلما انكشف لزرياب أمرها أهداها إليه ، فحظيت عنده [٣].
وكانت حمدونة بنت زرياب متقدّمة في أهل بيتها ، محسنة لصناعتها ، متقدّمة على أختها علية ، وهي زوجة الوزير هاشم [٤] بن عبد العزيز كما مرّ ، وطال عمر علية بعد أختها حمدونة ، ولم يبق من أهل بيتها غيرها ، فافتقر الناس إليها ، وحملوا عنها.
وكانت مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل أخذت عن زرياب الغناء ، وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت ، وفيها يقول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد ، وكتب به إلى مولاها : [بحر البسيط]
| يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد | ما كنت أحسب هذا الضّنّ من أحد [٥] | |
| لو أنّ أسماع أهل الأرض قاطبة | أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد |
من أبيات ، فخرج حافيا لمّا وقف على ذلك ، وأدخله إلى مجلسه ، وتمتّع من سماعها ، رحم الله تعالى الجميع!.
وقال علويه : كنت مع المأمون لمّا قدم الشام ، فدخلنا دمشق ، وجعلنا نطوف فيها على أماكن [٦] بني أمية ، فدخلنا قصرا مفروشا بالرخام الأخضر ، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها
[١] في ب : «اسمها منفعة».
[٢] علقت : أحببت حبا شديدا.
[٣] حظيت عنده : أصبحت ذات حظوة ، والحظوة : المكانة والمنزلة.
[٤] في ب ، ه «هاشم بن عبد العزيز».
[٥] يضن : يبخل. والغرد : الطائر الذي يرفع صوته في غنائه ويطرب به.
[٦] في ب : «قصور بني أمية».