نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٦٥ - حديث للسرخسي عن منصور بني عبد المؤمن
الذي تعضده عزائم النفوس بنشاطها ، والجوارح بخفّة حركاتها وانبساطها ، فخرجت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلى زيارة البيت المقدس وتجديد العهد ببركاته ، واغتنام الأجر في حلول بقاعه ومزاراته ، ثم سرت منه إلى الديار المصرية ، وهي آهلة بكلّ ما تتجمّل به البلاد وتزدهي ، وينتهي وصف الواصف لشؤونها ولا تنتهي ، ثم دخلت الغرب من الإسكندرية في البحر ودخلت مدينة مراكش أيام السيد الإمام أمير المؤمنين أبي يوسف يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ، فاتّصلت بخدمته ، والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن ، ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها ، ويتكلّم في الفقه كلاما بليغا ، وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى ، وله فتاوى مجموعة حسبما أدّى إليه اجتهاده ، وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر ، وقد شرحت أحوال سيرته ، وما جرى في أيام دولته ، في كتاب التاريخ المسمّى «عطف الذيل». وقد صنّف كتابا جمع فيه متون أحاديث صحاح تتعلّق بها العبادات سمّاه «الترغيب». وتهدّده ملك الإفرنج ألفنش في كتابه فمزّقه ، وقال لرسوله (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)) [النمل : ٣٧] إن شاء الله تعالى ، ثم قال للكاتب : اكتب على هذه القطعة ، يعني من كتابه الذي مزّقه : الجواب ما ترى لا ما تسمع : [بحر الطويل]
| فلا كتب إلّا المشرفيّة والقنا | ولا رسل إلّا الخميس العرمرم [١] |
ومن شعره أبيات كتب بها إلى العرب ، وهي : [بحر البسيط]
| يا أيها الراكب المزجي مطيّته | على عذافرة تشقى بها الأكم [٢] | |
| بلّغ سليمى على بعد الديار بها | بيني وبينكم الرحمن والرّحم [٣] | |
| يا قومنا لا تشبّوا الحرب إن خمدت | واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا | |
| كم جرّب الحرب من قد كان قبلكم | من القرون فبادت دونها الأمم | |
| حاشى الأعارب أن ترضى بمنقصة | يا ليت شعري هل ترآهم علموا | |
| يقودهم أرمنيّ لا خلاق له | كأنه بينهم من جهلهم علم |
يعني بالأرمني قرقوش [٤] مملوك بني أيوب ، الذي كان ذهب إلى بلاد الغرب الأدنى ،
[١] الخميس : الجيش المؤلف من خمس فرق. والعروم : الجيش الكثير العدد.
[٢] المزجي مطيته : السائق مطيته. والعذافرة : الناقة الشديدة القوية. والأكم : جمع أكمة ، وهي التل.
[٣] في ب : «بلغ سليما».
[٤] في ب : «قراقوش».