نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٥٢ - شيء من أخبار المنصور بن أبي عامر
الأبيات الآتية [١].
وهذا المنصور بن أبي عامر قد تقدّمت جملة من أخباره ، ومن أعجب ما وقع له ما رأيته بخزانة فاس في كتاب ألّفه صاحبه في الأزهار والأنوار ، حكى فيه في ترجمة النيلوفر أن المنصور لمّا قدم عليه رسول ملك الروم الذي هو أعظم ملوكهم في ذلك الزمان ليطّلع على أحوال المسلمين وقوّتهم ، فأمر المنصور أن يغرس في بركة عظيمة ذات أميال نيلوفر [٢] ، ثم أمر بأربعة قناطير من الذهب وأربعة قناطير من الفضّة فسبكت قطعا صغارا على قدر ما تسع النيلوفرة ، ثم ملأ بها جميع النيلوفر الذي في البركة ، وأرسل إلى الرومي فحضر عنده قبل الفجر في مجلسه السامي بالزاهرة بحيث يشرف على موضع البركة ، فلمّا قرب طلوع الشمس جاء ألف من الصقالبة عليهم أقبية الذهب والفضّة ومناطق الذهب والفضّة ، وبيد خمسمائة أطباق ذهب ، وبيد خمسمائة أطباق فضة ، فتعجّب الرسول من حسن صورهم وجميل شارتهم ، فلم يدر ما المراد ، فحين أشرقت الشمس ظهر النيلوفر من البركة ، وبادروا [٣] لأخذ الذهب والفضّة من النيلوفر ، وكانوا يجعلون الذهب في أطباق الفضّة والفضّة في أطباق الذهب ، حتى التقطوا جميع ما فيها ، وجاؤوا به فوضعوه بين يدي المنصور ، حتى صار كوما بين يديه ، فتعجّب النصراني من ذلك ، وأعظمه ، وطلب المهادنة من المسلمين ، وذهب مسرعا إلى مرسله ، وقال له : لا تعاد هؤلاء القوم ، فإني رأيت الأرض تخدمهم بكنوزها ، انتهى.
وهذه القضية من الغرائب ، وإنّها لحيلة عجيبة في إظهار عزّ الإسلام وأهله.
وكان المنصور بن أبي عامر آية الله سبحانه في السعد ونصرة الإسلام ، قال ابن بسام نقلا عن ابن حيان [٤] : إنه لمّا انتهت خلافة بني مروان بالأندلس إلى الحكم تاسع الأئمة ، وكان مع فضله قد استهواه حبّ الولد ، حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سنّ الصبا ، دون مشيخة الإخوة وفتيان العشيرة ، ومن كان ينهض بالأمر ويستقلّ بالملك. قال ابن بسام : وكان يقال «لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء ، فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم» [٥]. ولعلّ الحكم لحظ ذلك ، فلمّا مات الحكم أخفى
[١] سترد هذه الأبيات في هذا الجزء ص (٧٥).
[٢] النيلوفر ، بكسر النون أو فتحها : نوع من الرياحين ينبت في المياه الراكدة ، له أصل كالجذر وساق أملس يطول بحسب عمق الماء فإذا ساوى سطح الماء أورق وأزهر.
[٣] في ب : «فبادروا».
[٤] انظر الذخيرة ٤ / ١ : ٣٩ وما بعدها. وقد نقل المقري النص هنا بتصرف.
[٥] أدبر : ولّى. وانصرم : انقطع وتمزق.