نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٤٨ - أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي
فطار ابن العريف بها ، وعلّقها على ظهر كتاب بخطّ مصريّ ومداد أشقر ، ودخل بها على المنصور ، فلمّا رآها اشتدّ غيظه على صاعد ، وقال للحاضرين : غدّا أمتحنه ، فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد ، ولم يبق في موضع لي عليه سلطان ، فلمّا أصبح وجّه إليه فأحضر ، وأحضر جميع الندماء ، فدخل بهم إلى مجلس محفل قد أعدّ فيه طبقا عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النواوير ، ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل الجواري ، وتحت السقائف بركة ماء ، قد ألقي فيها اللآلئ مثل الحصباء ، وفي البركة حيّة تسبح ، فلمّا دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور : إنّ هذا يوم إمّا أن تسعد فيه معنا ، وإمّا أن تشقى بالضدّ عندنا ؛ لأنه قد زعم قوم أنّ كلّ ما تأتي به دعوى ، وقد وقفت من ذلك على حقيقة ، وهذا طبق ما توهّمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله ، فصفه بجميع ما فيه ، وعبّر بعض عن هذه القصة بقوله : أمر فعبىء له طبق فيه أزهار ورياحين وياسمين وبركة ماء حصباؤها اللؤلؤ ، وكان في البركة حيّة تسبح ، وأحضرها صاعد ، فلمّا شاهد ذلك قال له المنصور : إنّ هؤلاء يذكرون أن كلّ ما تأتي به دعوى لا صحّة لها ، وهذا طبق ما ظننت أنه عمل لملك مثله ، فإن وصفته بجميع ما فيه علمت صحّة ما تذكره ، فقال صاعد بديهة : [بحر الطويل]
| أبا عامر ، هل غير جدواك واكف؟ | وهل غير من عاداك في الأرض خائف [١] | |
| يسوق إليك الدهر كلّ غريبة | وأعجب ما يلقاه عندك واصف | |
| وشائع نور صاغها هامر الحيا | على حافتيها عبقر ورفارف [٢] | |
| ولمّا تناهى الحسن فيها تقابلت | عليها بأنواع الملاهي الوصائف | |
| كمثل الظّباء المستكنّة كنّسا | تظلّلها بالياسمين السقائف [٣] | |
| وأعجب منها أنهنّ نواظر | إلى بركة ضمّت إليها الطرائف [٤] | |
| حصاها اللآلي سابح في عبابها | من الرّقش مسموم الثعابين زاحف [٥] | |
| ترى ما تراه العين في جنباتها | من الوحش حتى بينهنّ السلاحف |
[١] الجدوى : العطاء. والواكف : الهاطل.
[٢] النور : الزهر ، أو الأبيض منه.
[٣] الكنس : الضباء اللواتي دخلن الكناس ، والكناس مستتر الظبي من الشجر لأنه يكنس في الرمل حتى يصل.
[٤] في الذخيرة «صمّت إليه الظرائف».
[٥] في الذخيرة «مسموم اللعابين راجف».