نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٤٥ - أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي
وأصله من الموصل ، قال ابن بسام : ولمّا دخل صاعد قرطبة أيام المنصور بن أبي عامر عزم المنصور على أن يقضي به آثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية ، فما وجد عنده ما يرتضيه ، وأعرض عنه أهل العلم ، وقدحوا في علمه وعقله ودينه ، ولم يأخذوا عنه شيئا لقلّة الثقة به ، وكان ألّف كتابا سمّاه كتاب «الفصوص» فدحضوه [١] ورفضوه ونبذوه في النهر ، ومن شعره قوله : [بحر الكامل]
| ومهفهف أبهى من القمر | قهر الفؤاد بفاتن النّظر | |
| خالسته تفّاح وجنته | فأخذتها منه على غرر [٢] | |
| فأخافني قوم فقلت لهم : | لا قطع في ثمر ولا كثر [٣] |
والكثر : الجمّار ، وهذا اقتباس من الحديث.
وقال الحميدي : سمعت أبا محمد بن حزم الحافظ يقول : سمعت أبا العلاء صاعدا ينشد بين يدي المظفر عبد الملك بن أبي عامر من قصيدة يهنيه فيها بعيد الفطر سنة ٣٩٦ : [بحر الوافر]
| حسبت المنعمين على البرايا | فألفيت اسمه صدر الحساب | |
| وما قدّمته إلّا كأني | أقدّم تاليا أمّ الكتاب |
وذكر الحميدي أن عبد الله بن ماكان الشاعر تناول نرجسة فركبها في وردة ثم قال لصاعد ولأبي عامر بن شهيد : صفاها ، فأفحما ، ولم يتّجه لهما القول ، فبينما هم على ذلك إذ دخل الزهيري صاحب أبي العلاء وتلميذه ، وكان شاعرا أديبا أمّيّا لا يقرأ ، فلمّا استقرّ به المجلس أخبر بما هم فيه ، فجعل يضحك ويقول : [بحر السريع]
| ما للأديبين قد اعيتهما | مليحة من ملح الجنّه | |
| نرجسة في وردة ركّبت | كمقلة تطرف في وجنه |
انتهى.
ومن غريب ما جرى لصاعد أن المنصور جلس يوما وعنده أعيان مملكته ودولته من أهل العلم كالزبيدي والعاصمي وابن العريف وغيرهم ، فقال لهم المنصور : هذا الرجل الوافد علينا
[١] دحضوه : نقضوه وأزالوا حجته.
[٢] خالسته : أخذته خلسة : وأخذتها على غرر ، أراد : أخذتها على غفلة.
[٣] الكثر ، بفتح الكاف والثاء : هو جمار النخل ، والجمار : شحم النخل الذي يكون في وسط النخلة. وقد جاء في الحديث الشريف : «لا قطع في ثمر ولا كثر».