نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣١٦ - عبد الرحمن وبدر مولاه
ونهيي عند من يلوذ بي ، وبتر مطامع من كان يكرمني ويحفدني [١] على الطمع والرجاء ، وأظن أعداءنا بني العباس لو حصلت بأيديهم ما بلغوا بي أكثر من هذا ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. فلمّا وقف عبد الرحمن على رقعته اشتدّ غيظه عليه ، فوقّع عليها : «وقفت على رقعتك المنبئة عن جهلك ، وسوء خطابك ، ودناءة أدبك ، ولئيم معتقدك ، والعجب أنك متى أردت أن تبني لنفسك عندنا متاتا [٢] أتيت بما يهدم كل متات مشيّد ممّا تمن به ، ممّا قد أضجر الأسماع تكراره ، وقدحت في النفوس إعادته ، ممّا استخرنا الله تعالى من أجله على أمرنا باستئصال مالك ، وزدنا في هجرك وإبعادك ، وهضنا جناح [٣] إدلالك ، فلعلّ ذلك يقمع منك [٤] ويردعك حتى نبلغ منك ما نريد إن شاء الله تعالى ، فنحن أولى بتأديبك من كل أحد ، إذ شرّك مكتوب في مثالبنا ، وخيرك معدود في مناقبنا». فلمّا ورد هذا الجواب على بدر سقط في يده ، وسلم للقضاء ، وعلم أنه لا ينفع فيه قول ، ووجّه عبد الرحمن من استأصل ماله ، وألزمه داره ، وهتك حرمته ، وقصّ جناح جاهه ، وصيّره أهون من قعيس على عمّته ، ومع هذا فلم ينته بدر عن الإكثار من مخاطبة مولاه ، تارة يستلينه ، وتارة يذكره ، وتارة ينفث مصدورا بخطّ قلمه ما يلقيه عليه بلسانه ، غير مفكر فيما يؤول إليه ، إلى أن كتب له : قد طال هجري ، وتضاعف همّي وفكري ، وأشدّ ما عليّ كوني سليبا من مالي ، فعسى أن تأمر لي بإطلاق مالي وأتّحد به في معزل لا أشتغل بسلطان ، ولا أدخل في شيء من أموره ما عشت ، فوقّع له : إن لك من الذنوب المترادفة ما لو سلب معها روحك لكان بعض ما استوجبته ، ولا سبيل إلى ردّ مالك ، فإنّ تركك بمعزل في بلهنية الرفاهية [٥] وسعة ذات اليد والتخلّي من شغل السلطان أشبه بالنعمة منه بالنقمة ، فايأس من ذلك ، فإن اليأس مريح. فسكت لمّا وقف على هذه الإجابة مدّة إلى أن أتى عيد فاشتدّ به حزنه لما رأى من حاجة من يلوذ به وهمهم بما يفرح به الناس ، فكتب إليه في ذلك رقعة منها : «وقد أتى هذا العيد الذي خالفت فيه أكثر من أساء إليك وسعى في خراب دولتك ، ممّن عفوت عنه ، فتبنّك النعمة [٦] في ذراك ، واقتعد ذروة العزّ ، وأنا على ضدّ من هذا سليبا من النعمة ، مطّرحا حضيض الهوان ، أيأس ممّا يكون ، وأقرع السنّ على ما كان». فلمّا وقف على هذه الرقعة أمر بنفيه عن قرطبة إلى أقصى الثغر ، وكتب له على ظهر رقعته : «لتعلم
[١] يحفدني : يخدمني ويخفف في العمل لي.
[٢] المتات : الصلة ، والتوسل بقرابة وغيرها.
[٣] هضنا جناح إدلالك : كسرناه.
[٤] يقمع منك : ينال منك نيلا عظيما ، ويسوءك ويهينك.
[٥] البلهنية : الرفاهية.
[٦] تبنك النعمة : تمكن منها ، وذرى المرء : جانبه.