نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١١٤ - وصف كتاب الذخيرة
والقسم الثاني : هو السباب الذي أحدثه جرير أيضا وطبقته ، وكان يقول : إذا هجوتم فأضحكوا ، وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتا ، ولا عيرت به قبيلة ؛ وهو الذي صنّا هذا المجموع عنه ، وأعفيناه أن يكون فيه شيء منه ، فإن أبا منصور الثعالبيّ كتب منه في يتيمته ما شانه اسمه [١] ، وبقي عليه إثمه.
ومن مليح التعريض لأهل أفقنا قول بعضهم في غلام كان يصحب رجلا يسمى بالبعوضة : [بحر المتقارب]
| أقول لشادنكم قولة | ولكنّها رمزة غامضه [٢] | |
| لزوم البعوض له دائما | يدل على أنها حامضه |
وأنشدت في مثله قول بعض أهل الوقت : [بحر البسيط]
| بيني وبينك سرّ لا أبوح به | الكل يعلمه والله غافره [٣] |
وحكي أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال : عاتبت بعض الإخوان عتابا شديدا عن أمر أوجع فيه قلبي ، وكان آخر الشعر الذي خاطبته به هذا البيت : [بحر الطويل]
| وإني على ما هاج صدري وغاظني | ليأمنني من كان عندي له سرّ |
فكان هذا البيت أشد عليه من عض الحديد ، ولم يزل يقلق به حتى بكى إلي منه بالدموع ، وهذا الباب ممتدّ الأطناب ، ويكفي ما مر ويمرّ منه في أضعاف هذا الكتاب ، انتهى كلام ابن بسام في الذخيرة بلفظه.
ولا خفاء أنه عارض بالذخيرة يتيمة الثعالبي ، ولذا قال في خطبة الذخيرة : أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله ، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله ، فإن ثمرة هذا الأدب ، العالي الرتب ، رسالة تنثر وترسل ، وأبيات تنظم وتفصل ، تنثال تلك انثيال القطار [٤] ، على صفحات الأزهار ، وتتصل هذه اتصال القلائد ، على نحور الخرائد [٥] ، وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصيّ إلى وقتنا هذا من فرسان الفنّين ، وأئمة النوعين ، قوم هم ما هم طيب مكاسر ، وصفاء
[١] شانه : عابه.
[٢] الشادن : ابن الغزال.
[٣] في ب : «بيني وبينك سرّ لا أبوح به» (وهو الأصح وزنا).
[٤] تنثال : تتابع. والقطار : جمع قطرة ، وأراد المطر.
[٥] الخرائد : جمع خريدة ، وهي في الأصل اللؤلؤة التي لم تثقب وهنا البكر.