نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١١٣ - الهجاء نوعان
توبيخ وتعبير ، وتقديم وتأخير ، كقول النجاشي في بني [١] العجلان ، وشهرة شعره ، منعتني عن ذكره ، واستعدوا عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وأنشدوه قول النجاشي فيهم ، فدرأ الحد بالشبهات ، وفعل ذلك بالزبرقان حين شكا الحطيئة ، وسأله أن ينشد ما قاله فيه ، فأنشده قوله : [بحر البسيط]
| دع المكارم لا ترحل لبغيتها | واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي [٢] |
فسأل عن ذلك كعب بن زهير ، فقال : والله ما أودّ بما قال له حمر النعم ، وقال حسان : لم يهجه ، ولكن سلح عليه بعد أن أكل الشّبرم ، فهمّ عمر رضي الله تعالى عنه بعقابه ، ثم استعطفه بشعره المشهور.
وقال عبد الملك بن مروان يوما : أحسابكم يا بني أمية [٣] ، فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأن الأعشى قال في : [بحر الطويل]
| تبيتون في المشتى ملاء بطونكم | وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا [٤] |
ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى ، وقال : أنحن نفعل هذا بجاراتنا؟! ودعا عليه ، فما ظنك بشيء يبكي علاثة ، وقد كان عندهم لو ضرب بالسيف ما قال حس.
وقد كان الراعي يقول : هجوت جماعة من الشعراء ، وما قلت فيهم ما تستحي العذراء أن تنشده في خدرها.
ولما قال جرير : [بحر الوافر]
| فغضّ الطّرف إنك من نمير | فلا كعبا بلغت ولا كلابا |
أطفأ مصباحه ونام ، وقد كان بات ليلته يتململ ، لأنه رأى أنه قد بلغ حاجته وشفى غيظه.
قال الراعي : فخرجنا من البصرة فما وردنا ماء من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه ، حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون : قبحكم الله وقبح ما جئتمونا به!.
[١] النجاشي : هو قيس بن عمر الحارثي من شعراء صدر الإسلام. كان ماجنا خليعا.
[٢] قيل : إن هذا البيت أهجى بيت قالته العرب.
[٣] في الذخيرة : احفظوا أجسامكم.
[٤] المشتى : زمان الشتاء ، ومكانه. وغرثى : جائعة. وخمائص : جمع خميص ، وهي الضامرة البطن وأراد بها هنا الناحلة من شدة الجوع.