نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٠٤ - عود إلى ابن جبير
| وإلا فما بال أفق الدجى | كأن سنا البرق فيه استطارا [١] | |
| ونحن من الليل في حندس | فما باله قد تجلّى نهارا [٢] |
وكان أبو الحسين بن جبير المترجم به قد نال بالأدب دنيا عريضة ، ثم رفضها وزهد فيها.
وقال صاحب «الملتمس» في حقه : الفقيه الكاتب أبو الحسين بن جبير ، ممن لقيته وجالسته كثيرا ورويت عنه ، وأصله من شاطبة ، وكان أبوه أبو جعفر من كتابها ورؤسائها ، ذكره ابن اليسع في تاريخه ، ونشأ أبو الحسين على طريقة أبيه ، وتولع بغرناطة ، فسكن بها ، قال : ومما أنشدنيه لنفسه قوله يخاطب أبا عمران الزاهد بإشبيلية : [بحر الوافر]
| أبا عمران قد خلّفت قلبي | لديك وأنت أهل للوديعه | |
| صحبت بك الزمان أخا وفاء | فها هو قد تنمّر للقطيعه [٣] |
قال : وكان من أهل المروءات ، عاشقا في قضاء الحوائج ، والسعي في حقوق الإخوان ، والمبادرة لإيناس الغرباء ، وفي ذلك يقول : [بحر الرمل]
| يحسب الناس بأني متعب | في الشفاعات وتكليف الورى | |
| والذي يتعبهم من ذاك لي | راحة في غيرها لن أفكرا | |
| وبودي لو أقضّي العمر في | خدمة الطلاب حتى في الكرى [٤] |
قال : ومن أبدع ما أنشده رحمه الله تعالى أول رحلته : [الخفيف]
| طال شوقي إلى بقاع ثلاث | لا تشدّ الرحال إلا إليها | |
| إن للنفس في سماء الأماني | طائرا لا يحوم إلا عليها | |
| قصّ منه الجناح فهو مهيض | كلّ يوم يرجو الوقوع لديها [٥] |
وقال : [بحر المتقارب]
| إذا بلغ العبد أرض الحجاز | فقد نال أفضل ما أمّ له [٦] | |
| فإن زار قبر نبي الهدى | فقد أكمل الله ما أمّله |
[١] استطار : انتشر والسنا : الضوء.
[٢] الحندس : الظلمة الشديدة.
[٣] تنمر : أصبح كالثمر ، وأراد تنكر وغدر.
[٤] الكرى : النوم.
[٥] الجناح المهيض : المسكور مرة بعد مرة.
[٦] أم له : قصد.