مائة مبحث ومبحث في ظلال دعاء أبي حمزة الثمالي - الشيخ جبّار جاسم مكّاوي - الصفحة ٣٥٠ - في الغفلة
الدنيا أن لو خُلّدوا فيها أن يَعصُوا الله أبداً ، وإنّما خُلّد أهل الجنّة في الجنّة ، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بَقَوا فيها أن يطيعوا الله أبداً ، فبالنيّات خُلّد هؤلاء وهؤلاء. ثمّ تلا قوله تعالى : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ) ، قال ٧ : على نيّته [١].
لقد لاحظنا أثر النيّة على العمل ، وكيفيّة ترتّب الأثر من ثواب أو عقاب ، ونِعم ما قيل في وصفها : إنّها روح العمل ، فقد ورد عن النبيّ ٦ قوله : مَن تزوّج امرأة على صِداقٍ وهو لا ينوي أداءه فهو زانٍ ، ومن استدان دَيناً وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق ، ومن تطيّب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيّب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة [٢].
وقال النبيّ ٦ : إذا التقى الصفّان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم : فلان يقاتل للدنيا ، فلان يقاتل حميّةً ، فلان يقاتل عصبيّةً ، ألا فلا تقولوا : قُتل فلان في سبيل الله ، إلّا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا [٣].
وورد في الآثار المرويّة أنّ رجلاً من الصحابة يُدعى «قزمان» كان مشهوراً بالجبن والخوف من رؤية الدم ، وفي إحدى غزوات النبيّ ٦ خرج مع الجيش وأبلى بلاءً حسناً ، فكان يضرب بالسيف ويطعن بالرمح ، وكان يتناول الفارس من جواده فيضرب به الأرض ، وقاوم المشركين أيّما مقاومة ممّا أذهل الجيش الإسلاميّ ، وبعد جولات رجولية وبطوليّة سقط «قزمان» مضمّخاً بدمائه.
فقال صحابيّ لرسول الله ٦ : هنيئاً لقزمان الجنّة ، فقال النبيّ ٦ : إنّه من أهل النار! فتعجّب الصحابيّ من قول النبيّ ٦ ، وتوجّه إليه بعض المسلمين
[١] ـ الكافي ٢ : ٨٥ / ح ٥ ، والآية في سورة الإسراء : ٨٤.
[٢] ـ جامع السعادات ٣ : ١١٣.
[٣] ـ نفسه ٣ : ١١٣.