مائة مبحث ومبحث في ظلال دعاء أبي حمزة الثمالي - الشيخ جبّار جاسم مكّاوي - الصفحة ٣٤٥ - في الغفلة
وراء الشهوة والأمانيّ السرابيّة الضالّة ، ومشتغلون بما ينسي الآخرة ، ولو علموا ما يُراد بهم ومنهم لانتهوا وعادوا إلى سواء السبيل ، ولهيّؤوا أنفسهم للقاء الله بالتوبة والإيمان والورع واجتناب المعاصي.
وهذا القسم يُسمّى «التقصير».
إنّ الغافلين ، سواء من المُعْرضين أو المقصّرين ، سيقفون بين يدي الله للحساب ، فتصيبهم الدهشة ، ويأخذهم الفزع الأكبر لعظم المسؤولية ودقّة الحساب ، قال تعالى : (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [١].
لقد ساقتهم الملائكة للحساب ، وشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وأيديهم بما كانوا يعملون ، وتجسّدت أعمالهم أمام أعينهم ، وقيل لهم : هذه أعمالكم رُدّت عليكم. وربّما يكون الإغفال على سبيل المجازاة حين يُنسب إلى الله سبحانه ، كما في قوله تعالى : (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [٢].
قال صاحب «الميزان» قدس سره : المراد بإغفال قلبه تسليطُ الغفلة عليه وإنساؤه ذِكرَ الله سبحانه على سبيل المجازاة ، حيث إنّهم عاندوا الحقّ فأضلّهم الله بإغفالهم عن ذكره ، فإنَّ كلامه تعالى في قوم هذهِ حالهم نظير ما سيأتي في ذيل الآيات من قوله : (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [٣].
[١] ـ الكهف : ٤٩.
[٢] ـ الكهف : ٢٨.
[٣] ـ الكهف : ٥٧.