مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٢١٥ - الوجه الثالث إنّ اشتراط الكرّ مثار الوسواس
الثاني: «إنّه لو كان معيار نجاسة الماء وطهارته نقصانه عن الكرّ وبلوغه إليه، لما جاز إزالة الخبث منه بوجه من الوجوه، مع أنّه جائز بالضرورة والاتّفاق، وذلك لأنّ كلّ جزء من أجزاء الماء الوارد على المحلّ النجس إذا لاقاه كان متنجّساً بالملاقاة، خارجاً عن الطهورية في أوّل آنات اللقاء، وما لم يلاقه لا يعقل أن يكون مطهّراً. والفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه، مع انّه مخالف للنصوص، لا يجدي; إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي ولزوم تنجّسه، والقدر المستعلى لكونه دون مبلغ الكرّ، لا يقوى على أن يعصمه بالاتّصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجّس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير. وأمّا ما تكلّفه بعضهم من أرباب[١] القول بالانفعال هناك بعد الانفصال عن محلّ النجاسة، فمن أبعد التكلّفات. ومن ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته إيّاه[٢]وطهارته حال ملاقاته لها، بل طهوريّته»[٣].
الثالث: «إنّ اشتراط الكرّ مثار الوسواس، ولأجله شقّ الأمر على الناس، يعرفه من يجرّبه ويتأمّله. وممّـا لا شكّ فيه أنّ ذلك لو كان شرطاً لكان أولى المواضع بتعذّر الطهارة مكّة والمدينة المشرّفتين; إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكد الكثير، ومن أوّل عصر النبي ٦ إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل واقعة في الطهارات، ولا سؤال عن كيفيّة حفظ المياه من النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء]و[[٤] الذين لا يحترزون عن النجاسات، بل الكفّار، كما هو معلوم لمن تتبّع»[٥].
[١]. كذا في جميع النسخ والمنقول في الحدائق الناضرة ١ : ٣٠٢ ، ولكن ورد في المصدر : « ارتكاب » .
[٢]. في المصدر : عنها .
[٣]. الوافي ٦ : ١٩ ، أبواب أحكام المياه ، الباب ١ ، ذيل الحديث ٧ .
[٤]. أثبتناه من المصدر .
[٥]. نفس الهامش .