فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٠٠ - الأمر الثاني
لا في كل واقعة واقعة مع قطع النّظر عن الرجوع إليها في ساير الوقائع، بل لزوم المخالفة الكثيرة كان أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة في المقدمة الثانية.
و أمّا الوجه الثالث- و هو العلم الإجماليّ- فهو يقتضى عدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل مسألة مسألة، لأنّ الأصول النافية للتكليف لا تجري في كل واحد من أطراف العلم الإجماليّ، و حيث إنّ كل مسألة مسألة من أطراف العلم الإجماليّ، فلا تجري فيها أصالة البراءة.
بل يمكن تقريب الوجه الأوّل- و هو الإجماع- على وجه يقتضى عدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل واقعة واقعة، بدعوى: أنّ انعقاد الإجماع على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة ليس لقيام دليل تعبدي عند المجمعين عليه، بل لأجل ما استقل به العقل من قبح الاعتماد على البراءة قبل الفحص و اليأس عن الظفر بمراد المولى [١] لأنّ من وظيفة العبد التفحص عن الأحكام، و قبل الفحص يستقل العقل باستحقاقه للعقوبة و صحة مؤاخذته على تفويته لمرادات المولى، و ليس له الاعتذار بعدم العلم بها، كما يستقل العقل بعدم استحقاقه، للعقاب و قبح مؤاخذته و صحة الاعتذار منه بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالأحكام أو بما يكون قاطعا للعذر من الحجة القائمة عليها، فلا يجوز للعبد الرجوع إلى البراءة في كل مسألة مسألة مع قطع النّظر عن كونها من أطراف العلم الإجماليّ،
______________________________
[١] أقول: هذا إنّما يتم عند التمكن عن الفحص، و في ظرف الانسداد كيف يتمكن من الفحص عن الدليل؟ و توهّم: أنّ فحصه في المقام بتتميمه بقية المقدمات إلى الاحتياط إلى الدليل، ظاهر الفساد، إذ المقدمات المزبورة إنما تنتج مرجعية الظن في ظرف عدم جريان البراءة، فهو أيضا من مقدمات هذه النتيجة، فكيف يعقل كون ترتب النتيجة من موانعه؟ كما لا يخفى.
نعم: الأولى أن يقال في وجه عدم جريان البراءة: بأنّ مجرى البراءة في فرض الشك في تكليف لم يحرز من الخارج شدّة الاهتمام بحفظه حتى في ظرف الجهل، و أمّا مع إحراز هذا الاهتمام لا يستقل العقل بالبراءة، بل يرى نفس احتماله منجّزا، كما هو الشأن في حكمه بوجوب النّظر في المعجزة، بل جعلنا هذه الجهة من وجوه منجزية أو امر الطرق- و تقدم شرحه في بابه- و عليه ففي ما نحن فيه لا شبهة في أن الشك في التكليف في المقام من قبيل الثاني لا الأوّل، فلا مجرى فيه للبراءة أصلا، كما لا يخفى.