فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٩٣ - المبحث الأول في إمكان التعبد بالطرق و الأصول
هناك ما يلزم رعايته، و هو مصلحة التسهيل [١].
فانّه لا إشكال في أنّ إمضاء ما بأيديهم من الطرق و عدم ردعهم عن العمل بها يقتضى التوسعة عليهم و التسهيل لهم في عملهم، و هذه مصلحة نوعية يصح للشارع مراعاتها، و إن كان رعاية ذلك يوجب تفويت بعض المصالح الشخصية، و كم من مصلحة نوعية قدّمت على المصلحة الشخصية! و ليس ذلك بعزيز الوجود في الشرعيات بل في العرفيات.
فان قلت: إن كانت مصلحة التسهيل على وجه يلزم من ردع الشارع عن تلك الطرق وقوع العباد في العسر و الحرج الرافعين للتكاليف، فهذا
______________________________
[١] أقول: الّذي يقتضيه التحقيق في المقام: هو أنّ المصلحة القائمة بالعمل إن كانت بمثابة لا يصلح أن يزاحم مزاحم، فلا شبهة في أنّ لازمه الاستيفاء مطلقا عقلا، فتفويت مثل هذه المصلحة قبيح و لو لمصلحة أخرى، و لا يقاس حينئذ بصورة فوتها من جهة العلوم الخطائية الحاصلة قهرا، إذ التفويت الاختياري غير الفوت القهري.
و أمّا إن لم يكن بهذه المثابة فلا مانع في تفويته و لو لمصلحة أخرى، و لا ينافى ذلك أيضا كون هذه المصلحة غير مزاحم بشيء في مقام تشريع الأحكام الّذي هو مضمون خطاباته الواقعية، إذ عدم المانع في جعل الخطاب لا ينافى وجود المانع في إيصاله إليه أو تشريع خطاب في ظرف عدم وصوله، غاية الأمر يستكشف من ذلك عدم إرادته للذات بنحو يقتضى حفظ وجودها حتى في ظرف الجهل به بعد الجزم بعدم اقتضاء الخطاب حفظ الوجود حتى في ظرف عدم وصوله إليه، بل غاية اقتضائه حفظه من قبل المقدمات المحفوظة في الرتبة السابقة عن الجهل به بلا اقتضائه حفظه من قبل المقدمات المحفوظة في الرتبة اللاحقة عن الجهل به، فمن قبل هذه المقدمات له التفويت و لو لإبقائه على جهله أو ترخيصه في ظرف الجهل.
و لا ينافى ذلك حكم عقله بلزوم الفحص مع تمكنه منه، لأنّ العقل همّه تحصيل ما أراده الشارع في مرتبة الذات، مع أنّ اقتضاء مصلحة الوجود على الإطلاق يقتضى الكشف عن الإرادة كذلك، إلّا أن يقوم قرينة على الخلاف: من سكوت المولى من إنشائه في ظرف جهله أو ترخيصه في تركه مع فرض حكم عقله بلزوم الفحص أو مهما يستكشف عدم إطلاق في إرادته، كما هو الشأن في خطابه، و حينئذ لا يقتضى الخطابات الواقعية إلّا حفظ المرام في الرتبة السابقة عن خطابه.
و أمّا حفظه في الرتبة اللاحقة عن شكه بخطابه: فلا يكون المولى بصدد حفظه و لو لمصلحة مزاحمة لاقتضاء المصلحة القائمة بالعمل بقول مطلق، و عليه فلا قصور في الجميع بين الخطابات الواقعية و الأحكام الظاهرية، من دون لزوم نقض غرض و لا جمع بين الضدين و لا تفويت المصلحة بلا مزاحم، بل لو فرضنا قصور اقتضاء المصلحة عن حفظ ما قامت به في ظرف الشك بخطابه، فلا يحتاج جواز تفويت العمل في ظرف الجهل بخطابه إلى مصلحة أخرى جابرة أو مزاحمة، كما لا يخفى، فتدبر في المقام، فانّه من مزالّ الأقدام.