فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٠٧ - تنبيه
اعتمادهم عليها من باب الاحتياط و رجاء إدراك الواقع، لأنّه ربما يكون طرف الاحتمال تلف النفوس و الأموال و هتك الأعراض، فلو كان اعتمادهم على الطرق لمحض رجاء إدراك الواقع لكان الاحتياط بعدم الاعتماد عليها في مثل هذه الموارد ممّا يكون خطر المخالفة عظيما، فإقدامهم على العمل بالطرق و الأمارات و الاعتماد عليها مع هذا الاحتمال ليس إلّا لمكان تنزيل احتمال المخالفة منزلة العدم و كأنّه لم يكن مع وجوده تكوينا.
فلا يقال: لعلّ اعتمادهم عليها لمكان حصول العلم لهم منها، فانّ ذلك مما يكذّبه الوجدان، لوضوح وجود احتمال مخالفة الطريق للواقع في أنفسهم و مع ذلك يعتمدون عليها في إثبات مقاصدهم، لمكان أنّ الطرق عندهم من حيث الإتقان و الاستحكام كالأسباب المفيدة للعلم، و ليس عند العقلاء جعل و تعبد و تشريع، حتى يقال: إنّ المجعول عندهم ما يكون منشأ لانتزاع هذا الاعتبار و الحجية، بل نفس الحجية و الوسطية في الإثبات أمر عقلائي قابل بنفسه للاعتبار من دون أن يكون هناك ما يكون منشأ للانتزاع
______________________________
البناء و الالتزام من سنخ إرادة كلية على شيء في أنفسهم بنحو قابل للتخلف عنه في مقام العمل- كنذورهم- و بعد ما أمضى الشارع هذا التنزيل فلا بد و أن يكون نظره أيضا في هذا التنزيل إلى إرادته لعملهم دون غيره، و عليه فهذا التنزيل من الشارع مستتبع لهذه الإرادة التشريعية، و لا نعنى من انتهاء أمره في أمثال هذا الجعل إلى الحكم التكليفي إلّا هذا فان قلت: إنّ مثل هذه الإرادة و البناء مأخوذ في مرحلة الامتثال و إرشاد إلى حكم العقل بموافقة الحجة، و لا يمكن أن يكون منشأ اعتبار الحجة.
قلت: بعد ما لا يكون منشأ لاعتبار الحجة غير التنزيل المزبور و احتياج التنزيل إلى كون النّظر إلى مثل هذا البناء و الإرادة، فلا محيص من كون البناء المزبور مصحح أصل الحجة لا من تبعاتها فارغا عن ثبوتها، و بعد ما كان كذلك، فلا محيص من كون رتبة هذه الإرادة و البناء الكلي سابقا عن التنزيل المزبور، لأنّه مصححه، و بعد ذلك نسأل: بأنّ هذه الإرادة و البناء إرادة حقيقية ثابتة في فرض الموافقة و مخالفة الطريق للواقع؟ أو هو من الإرادات الطريقية المنحلة إلى الإرادة عند الموافقة و الترخيص عند المخالفة؟ لا محيص للأوّل، و إلّا لازمه الالتزام بسببية الأمارة، فلا بد و أن يكون من الثاني. و على أي حال: يكون المنجز هذه الإرادة الطريقية، لا صرف التنزيل المزبور، كما أنّه بناء عليه يبقى شبهة التضاد بحاله، كما لا يخفى.