ميزان الحكمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٨٩
الإنفاق المندوب كالانفاق الواجب، لامجرد عدم الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك. وبذلك يتبين أيضا معنى ما خاطب به أبو ذر عثمان بن عفان لما دخل عليه على ما تقدم في رواية الطبري حيث قال له: لاترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لايقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات. فإن لفظه كالصريح أو هو صريح في أنه لايرى كل إنفاق فيما يفضل من المؤنة بعد الزكاة واجبا، وأنه يقسم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما ينبغي، غير أنه يعترض بانقطاع سبل الإنفاق من غير جهة الزكاة وانسداد باب الخيرات بالكلية، وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة العامة المشرعة. يقول: ليست هي حكومة استبدادية قيصرانية او كسروانية، لاوظيفة لها إلا بسط الأمن وكف الأذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس بعضا، ثم الناس أحرار فيما فعلوا غير ممنوعين عما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرطوا، أصلحوا أو أفسدوا، اهتدوا أو ضلوا وتاهوا، والمتقلد لحكومتهم حر فيما عمل ولا يسأل عما يفعل. وإنما هي حكومة اجتماعية دينية لاترضى عن الناس بمجرد كف الأذى، بل تسوق الناس في جميع شؤون معيشتهم إلى مايصلح لهم ويهيئ لكل من طبقات المجتمع - من أميرهم ومأمورهم ورئيسهم ومرؤوسهم ومخدومهم وخادمهم وغنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم - ما يسع له من سعادة حياتهم، فترفع حاجة الغني بإمداد الفقير وحاجة الفقير بمال الغني، وتحفظ مكانة القوي باحترام الضعيف وحياة الضعيف برأفة القوي ومراقبته، ومصدرية العالي بطاعة الداني وطاعة الداني بنصفة العالي وعدله، ولايتم هذا كله إلا بنشر المبرات وفتح باب الخيرات، والعمل بالواجبات على مايليق بها والمندوبات على ما يليق بها، وأما القصر على القدر الواجب وترك الإنفاق المندوب من رأس فإن فيه هدما لأساس الحياة الدينية، وإبطالا لغرض الشارع، وسيرا حثيثا إلى نظام مختل وهرج ومرج وفساد عريق لايصلحه شئ، كل ذلك عن المسامحة في إحياء غرض الدين، والمداهنة مع الظالمين * (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) *. وكذلك قول أبي ذر لمعاوية فيما تقدم من رواية الطبري: مايدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره ؟ قال: فلا تقله. فإن الكلمة التي كان يقولها معاوية وعماله ومن بعده من خلفاء بني امية وإن كانت كلمة حق وقد رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويدل عليها كتاب الله، لكنهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله سبحانه، فإن المراد به أن المال لايختص به أحد بعزة أو قوة أو سيطرة وإنما هولله ينفق في سبيله على حسب ما عينه من موارد إنفاقه، فإن كان مما اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو نحوهما فله حكمه، وإن كان مما حصلته الحكومة الإسلامية من