ميزان الحكمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٣٠
* (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لايعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) * [١]. التفسير: العناية في قوله: * (مثل الذين اتخذوا) *... إلخ باتخاذ الأولياء من دون الله، ولذا جئ بالموصول والصلة، كما أن العناية في قوله: * (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) * إلى اتخاذها البيت، فيؤول المعنى إلى أن صفة المشركين في اتخاذهم من دون الله أولياء كصفة العنكبوت في اتخاذها بيتا له نبأ، وهو الوصف الذي يدل عليه تنكير * (بيتا) *. ويكون قوله: * (إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) * بيانا لصفة البيت الذي أخذته العنكبوت، ولم يقل: إن أوهن البيوت لبيتها كما هو مقتضى الظاهر أخذا للجملة بمنزلة المثل السائر الذي لايتغير. والمعنى أن اتخاذهم من دون الله أولياء - وهم آلهتهم الذين يتولونهم ويركنون إليهم - كاتخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت، إذ ليس له من آثار البيت إلا اسمه لايدفع حرا ولا بردا ولايكن شخصا ولا يقي من مكروه، كذلك ليس لولاية أوليائهم إلا الاسم فقط لاينفعون ولا يضرون ولايملكون موتا ولا حياة ولانشورا. ومورد المثل: هو اتخاذ المشركين آلهة من دون الله، فتبديل الآلهة من الأولياء لكون السبب
[١] النحل: ٧٥، ٧٦.الداعي لهم إلى اتخاذ الآلهة زعمهم أن لهم ولاية لأمرهم وتدبيرا لشأنهم من جلب الخير إليهم ودفع الشر عنهم والشفاعة في حقهم. والآية - مضافا إلى إيفاء هذه النكتة - تشمل بإطلاقها كل من اتخذ في أمر من الامور وشأن من الشؤون وليا من دون الله يركن إليه ويراه مستقلا في أثره الذي يرجوه منه وإن لم يعد من الأصنام إلا أن يرجع ولايته إلى ولاية الله كولاية الرسول والأئمة والمؤمنين كما قال تعالى: * (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) *
[٢]. وقوله: * (لوكانوا يعلمون) * أي لو كانوا يعلمون أن مثلهم كمثل العنكبوت ما اتخذوهم أولياء. كذا قيل
[٣]. قوله تعالى: * (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) *
[٤] يشير إلى أن الأمثال المضروبة في القرآن على أنها عامة تقرع أسماع عامة الناس، لكن الإشراف على حقيقة معانيها ولب مقاصدها خاصة لأهل العلم ممن يعقل حقائق الامور ولاينجمد على ظواهرها. والدليل على هذا المعنى قوله: * (وما يعقلها) * دون أن يقول: ومايؤمن بها أوما في معناه. فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقيها باختلاف أفهامهم، فمن سامع لا حظ له منها إلا تلقي ألفاظها وتصور
[٢] يوسف: ١٠٦.
[٣] الميزان: ١٦ / ١٣٠.
[٤] العنكبوت: ٤٣.