ميزان الحكمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٢٦
فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام. يا بني إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان، واجعل شراعها التوكل، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك. يابني إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن غني بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد طلبه، ومن اشتد طلبه أدرك منفعته، فاتخذه عادة فإنك تخلف في سلفك، وتنفع به من خلفك، ويرتجيك فيه راغب، ويخشى صولتك راهب، وإياك والكسل عنه والطلب لغيره، فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة، وإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة، واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم، فإنك لن تجدله تضييعا أشد من تركه، ولاتمارين فيه لجوجا، ولا تجادلن فقيها، ولاتعادين سلطانا، ولا تماشين ظلوما ولا تصادقنه، ولاتصاحبن فاسقا نطفا [١]، ولا تصاحبن متهما، واخزن علمك كما تخزن ورقك [٢]. يا بني خف الله خوفا لو أتيت القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك، وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر لك. فقال له ابنه: يا أبت كيف اطيق هذا وإنما لي قلب واحد ؟ فقال له لقمان: يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نورين: نورا للخوف ونورا للرجاء، لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال
[١] نطف ككتف: الرجل المريب. كما في هامش المصدر.
[٢] ورق: مثلث الواو بسكون الراء: الدراهم المضروبة جمع أوراق ووراق. كما في هامش المصدر.الله، ومن يصدق ماقال الله يفعل ما أمر الله، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ماقال الله، فإن هذه الأخلاق تشهد بعضها لبعض. فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا، ومن عمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا، ومن أطاع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن أحبه اتبع أمره، ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه نعوذ بالله من سخط الله. يابني لاتركن إلى الدنيا ولاتشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين ؟ !
[٣]. - الإمام الباقر (عليه السلام): قيل للقمان: ما الذي أجمعت عليه من حكمتك ؟ قال: لا أتكلف ما قد كفيته، ولا اضيع ما وليته
[٤]. - لقمان (عليه السلام) - لابنه وهو يعظه -: يابني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث فادفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك، فإنك إذا فكرت علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنزلة الموت، وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت....
[٣] تفسير علي بن إبراهيم: ٢ / ١٦٢.
[٤] قرب الإسناد: ٧٢ / ٢٣٢.