إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٢٥ - مستدرك أول من أسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء و يبسطها الظلام القابض لكل حي، و كيف غشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها .. فسبحان من جعل الليل لها نهارا و معاشا، و النهار لها سكنا و قرارا، و جعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان، غير ذوات ريش و لا قصب .. تطير و ولدها لاصق بها لاجئ إليها، يقع إذا وقعت، و يرتفع إذا ارتفعت، لا يفارقها حتى تشتد أركانه، و يحمله للنهوض جناحه، و يعرف مذاهب عيشه و مصالح نفسه، فسبحان البارئ لكل شيء على غير مثال خلاف غيره.
و مثله قوله عن الطاووس: و من أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل و نضد ألوانه في أحسن تنضيد، بجناح أشرج قصبه و ذنب أطال سحبه، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه، و سما به مظلا على رأسه .. و قد ينحسر من ريشه و يعرى من لباسه فيسقط تترى و ينبت تباعا، فينحت من قصبة نحتات أوراق الأغصان، ثم يتلاصق ثانيا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف سالف ألوانه و لا يقع لون في غير مكانه ..
و نحن لا نستغرب ابتداء هذا النمط من النظر الفلسفي على نحو من الأنحاء في عصر الامام علي رضي اللّه عنه، لأنه كان عهدا نبتت فيه أصول الفرق الإسلامية جميعا من الخوارج و الشيعة، و القائلين بالرجعة و تناسخ الأرواح، و المجتهدين في قراءة القرآن و تفسيره على شتى المذاهب .. فأقرب شيء إلى المعقول أن يكون إمام العصر كله قدوة في الاجتهاد و النظر و عنوانا للنوازع التي تفرقت بين أهل زمانه، و تعبيرا صادقا لتفكيره و وعيه، و صاحب أقوال من قبيل هذه الأقوال التي قدمناها و ان لم تكن هي إياها بالنص و التفصيل ..
و يستقيم مع هذا التقدير أن يكون الامام على سجيته مؤثرا للاجتهاد ما استطاعه، معرضا عن التقليد ما استغنى عنه، فوافق الخلفاء من قبله في أمور و خالفهم في أمور، و أبى أن يأتم بعملهم فيما يراه و ما لا يراه، و أوصى ابنه الحسن و قد بلغ الستينفقال: