إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٨٤ - منها حديث ابن عباس
و أول هذه السنة المحرم، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مقيما في المحرم بمكة لم يخرج منها، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد أمر أصحابه بالخروج إلى المدينة، فخرجوا إرسالا في المحرم، و قد كان جماعة خرجوا في ذي الحجة و صدروا المشركين يحتسبون بالاهتمام بأمره و التحيل له، فاجتمعوا في دار الندوة، و هي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها، يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما اجتمعوا لذلك و اتعدوا أن يدخلوا دار الندوة يتشاورون فيها في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ غدوا في اليوم الذي اتّعدوا له، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فوقف على باب الدار، فلما رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، و عسى أن لا يعدمكم منه رأي و نصح. قالوا: ادخل، فدخل معهم و قد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة، من بني عبد شمس: عتبة، و شيبة [ابنا ربيعة]، و من بني أمية: أبو سفيان بن حرب، و من بني نوفل بن عبد مناف: [طعيمة بن عدي، و جبير بن مطعم، و الحارث بن عامر بن نوفل]، و من بني عبد الدار و قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. و من بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام، و زمعة بن الأسود، و حكيم بن حزام.
و من بني مخزوم: أبو جهل بن هشام [و من بني سهم] نبيه و منبه ابنا الحجاج. و من بني جمح: أمية بن خلف. و من كان معهم، و من غيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد كان، و إنّا و اللّه لا نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه [من غيرنا] فأجمعوا فيه رأيا، فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد، و أغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله:
كزهير، و النابغة، من الموت.
فقال الشيخ النجدي: لا و اللّه، ما هذا لكم برأي، و اللّه لو حبستموه لخرج أمره