إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٤٥ - كلمات القوم في حول الحديث الشريف«من كنت مولاه فعلي مولاه»
و هذا يشهد بفساد قول من زعم أنه متى أريد بمولى أولى كان ذلك مجازا، و كيف يكون مجازا و كل قسم من اقسام مولى عائد إلى معنى الأولى، و قد قال الفراء في كتاب «معاني القرآن»: إن الولي و المولى في كلام العرب واحد.
الجواب عن السؤال الثالث: فأما الحجة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى، فهي أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم به التصريح و لغيره فإنهم لا يريدون بالمحتمل الا ما صرحوا به من الخطاب المتقدم.
مثال ذلك: إن رجلا لو أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون عبدي فلانا الحبشي؟ ثم وصف لهم أحد عبيده و ميزه عنهم بنعت يخصه صرح به فإذا قالوا: بلى، قال لهم عاطفا على ما تقدم: فاشهدوا أن عبدي حر لوجه اللّه عز و جل؛ فإنه لا يجوز أن يريد بذلك الا العبد الذي سماه و صرح بوصفه دون ما سواه.
و يجري هذا مجرى قوله فاشهدوا أن عبدي حر لوجه اللّه عز و جل، و لو أراد غيره من عبيده لكان ملغزا غير مبين في كلامه. و إذا كان الأمر كما وصفناه و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يزل مجتهدا في البيان غير مقصر فيه من الإمكان و كان قد أتى في أول كلامه يوم الغدير بأمر صرح به و قرر أمته عليه و هو أنه أولى بهم بأنفسهم على المعنى الذي قال اللّه تعالى في كتابهالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثم عطف على ذلك بعده أظهر من اعترافهم
بقوله: فمن كنت مولاه فهذا علي [خ. ل:
فعلي] مولاه
و كانت مولاه يحتمل ما صرح به في مقدمة كلامه و يحتمل غيره لم يجز أن يريد إلا ما صرح به في كلامه الذي قدمه و أخذ إقرار أمته به دون سائر أقسام مولى، و كان هذا قائما مقام
قوله: فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه.
و حاش للّه أن لا يكون الرسول صلى اللّه عليه و سلم أراد هذا بعينه.
و وجه آخر: و هو أن
قول النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم «فمن كنت مولاه فعلي مولاه»
لا يخلو من حالين: إما أن يكون أراد بمولى ما تقدم به التقرير من الأولى أو يكون أراد قسما غير ذلك من أحد محتملات مولى. فإن كان أراد الأول فهو ما ذهبنا