فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٩ - حدود ولاية الفقيه آية الله الشيخ محمد اليزدي
جميعها ، وهذا هو الذي يميّز الإنسان عن سائر الحيوانات الاُخرى ، ولولا هذا لما تميّز ولا فضّل على سواه ، وبهذا الاختيار يتقدّم على غيره من الموجودات الاُخرى ، فيصل إلى الغاية من الخلق ، ألا وهي الاتصال بالله سبحانه الذي هو الكمال المطلق ، فإذا لم يكن هذا الاختيار مقروناً بما يُسدّده إلى الخير ويردعه عن الشرّ فما هو وجه امتياز الإنسان إذن عمّا سواه ؟ !
إنّ الإنسان إضافة إلى امتلاكه الاختيار فإنّه مزوّد بالقدرة على التشخيص أيضاً ، وهذه القدرة هي المعبّر عنها بالعقل ، وهي المشار إليها بقوله تعالى : {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } (١) ، ولكن ما هي حدود هذه القدرة وإلى أيّ حدّ يمكن أن تحدّد الخير من الشرّ ؟ هذا ما سوف يأتي البحث عنه في عنوان ( أساس الحاكمية ) .
الأمر الثاني : العقل والاختيار في بوتقة التشريع
لا تتحدّد حياة الانسان بالفترة الواقعة بين ولادته وموته حتى يستقلّ برأيه ويعتمد عليه ـ فرداً كان أو جماعة ـ في إدارة الحياة وتسييرها .
وعلى هذا الأساس ، فبما أنّ حياة الإنسان تبدأ ببداية معيّنة وليست لها نهاية ، وبما أنّ الموت ليس هو إلا مرحلة من مراحل وجوده ثم ينتقل الإنسان بعدها إلى الحياة الأبدية ، فإنّ عقل الإنسان ـ فرداً كان أو جماعة ـ غير قادر على رؤية نهاية الطريق ، ولذا جاء الوحي لكي يعضده ويشدّ أزره ، ويُعبّر عن العقل بالنبي الباطن وعن النبي بالعقل الظاهر ، فالأنبياء ـ سيما الخاتم (صلى الله عليه و آله و سلم) ـ هم العقل الظاهر في الناس ، ولكن الإنسان العاقل رغم ذلك قد يختار الشرّ باختياره ، إلا أنّ إقدامه على إلا ضرار بنفسه ليس مهمّاً بمقدار مالو أضرّ بغيره ، فإنّه غير مأذون شرعاً في الإضرار بالغير رغم كونه مختاراً من الناحية التكوينية في ذلك ، لأنّ هذا الاختيار مقيّد من الناحية التشريعية ، ولو لم يكن هذا الرادع
(١) الشمس : ٨ .