فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٣ - دراسات فقهية حديثية ــ المصادر الحديثية بين اليقين بالصدور والظن/١ الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
وتاريخ الحديث وتدوينه ورجاله .
لكننا نجد أنّ الصورة المرسومة في هذا الدليل متفائلة جداً ، وكأنّ كلّ الرواة صاروا صادقين ! وكأنهم لم يخطئوا في نقلهم ! وكأنّ الاستنساخ كان دقيقاً ! مع أنه في عصر الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) في القرن الثاني الهجري هناك تصريح بأنّ أصحاب ابن المغيرة دسّوا في كتب أهل البيت روايات كاذبة ، وكأنّ جهود الكذّابين انشلّت بمعجزة ، وكأنّه لا توجد روايات يستحيل التصديق بها ، وكأنّ وسائل الضبط الثقافي والإعلامي والطباعي كانت متطوّرة آنذاك ، مع أننا ناقشنا تمام قرائن الصدور والمضمون ، وكأنّ بعض الروايات ليس مخالفاً للقرآن ، وكأنّه لا يوجد تعارض مستقرّ بين بعض الروايات لا تحتمل فيه التقية ... .
يضاف إلى ذلك أنّ مصادر أهل السنّة كلّها تؤكّد أنّ البخاري قد انتقى أحاديثه التي تقارب السبعة آلاف مع المكرّر ، من عشرات ، بل مئات الآلاف من الأحاديث التي كانت في عصره ، ونحن لا نقول بأنه ـ أي البخاري ـ كان يعتقد بعدم صحّة كلّ حديث لم يورده في صحيحه ، ولا أنّ مسلماً كان كذلك ، بل إنّ معظم علماء السنّة يذهبون الى وجود الصحيح خارج الصحيحين وأنّ البخاري ومسلماً لم يعتبرا ما كان خارج كتابيهما ضعيفاً (١٥) .
لكن من الطبيعي أنّ عدداً كبيراً من هذه الأحاديث كان ضعيفاً ، ونحن لو تأمّلنا في النصوص المنقولة عن أئمة الحديث القدامى لوجدنا أنّهم أخذوا الأحاديث وسط حالة فوضى في الحديث وتناقله كانت سائدة حتى زمن أحمد بن حنبل وبعده ، فقد نقل عن ابن حنبل نفسه أنه قد صحّ من الحديث سبعمئة ألف حديث ، وأنّ أبا زرعة الرازي ـ كما يقول ابن حنبل ـ قد حفظ ستمئة ألف حديث (١٦) ، فهل يمكن تصديق أنّ المسلمين تناقلوا وضبطوا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)
(١٥) انظر : هدى الساري : ٥ ؛ وابن الصلاح ، علوم الحديث : ١٩ ـ ٢٠ ؛ والأعظمي ، دراسات في الحديث النبوي ٢ : ٥٩٩ ، ٦٠٠ ؛ وبعض العبارات التي توهم أنّ ما عدا ما كتبه في الصحيح هو ضعيف عنده ـ مثل ما نقله الشوكاني ( نيل الأوطار ١ : ١١ ) عن محمد بن يعقوب الأخرم ـ لا وجه لها ، بل بعضها غير ظاهر في هذه الدعوى فلا نطيل ، وهذا الأمر لا يقتصر على البخاري ، بل على كلّ أصحاب الكتب الحديثية عند المسلمين ، إلا أن يصرّح المحدّث بالنفي ، ولا تهمّنا هنا الثقافة الشعبية هنا أو هناك .
(١٦) راجع : تاريخ بغداد ١٠ : ٣٣١ ؛ وتاريخ ابن عساكر ٣٨ : ٢٠ ؛ وتهذيب الكمال ١٩ : ٩٧ ـ ٩٨ ؛ وسير أعلام النبلاء ١٣ : ٦٩؛ وتهذيب التهذيب ٧ : ٣٠ ؛ والسمعاني ، الأنساب ٣ : ٢٤ ؛ وتاريخ الإسلام ٢٠ : ١٢٧ .