فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٤ - دراسات فقهية حديثية ــ المصادر الحديثية بين اليقين بالصدور والظن/١ الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
سبعمئة ألف حديث صحيح ؟ ! هذا فضلاً عن أنّ ابن حنبل ـ لو صحّ هذا النقل عنه ـ يعتبر أنّ هناك عدداً آخر من الأحاديث غير صحيح ، وربما لهذا اضطرّ البيهقي لتفسير كلام ابن حنبل بأنه أراد الأعم من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وفتاوى الصحابة والتابعين ، كما نقل عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب (١٧) .
وقد نقلوا أنّ البخاري أخذ كتابه من ستمئة ألف حديث ، كما يقول ابن حجر والخطيب البغدادي وغيرهما (١٨) ، مع أنّ كتاب البخاري لا يحوي ـ كما يقول صاحب هدى الساري ـ بعد حذف المعلّقات والمتابعات سوى سبعة آلاف وثلاثمئة وسبعة وتسعين حديثاً مع التكرار (١٩) ، إذا حذفنا منه المكرّر تصل إلى أربعة آلاف ؛ فكيف يمكن تفسير انتقاء أربعة آلاف حديث من أصل ستمئة ألف حديث ـ مهما فرضناه ترك من الأحاديث الصحيحة ـ ؟ ! إلا أن تكون هناك في تصوّر البخاري نفسه فوضى في تناقل الحديث ، وأنّ هذه الأحاديث الكثيرة الموجودة بين المسلمين لم تكن ثابتة عن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) وأصحابه .
إذن ، فهذا كلّه يؤكّد أنّ القرن الثاني والثالث كان غاصّاً بالحديث الكثير الذي يحتاج الى جهد هائل لتمييزه ، فهل يعقل أن يقدر شخص واحد ـ ويصنّف بأنه ومسلم أوّل من صنفا في الصحيح وسط الفوضى (٢٠) ـ على القيام بتمييز كلّ هذه الأحاديث المنتشرة في بلاد المسلمين ، وقد توفي عن عمر يناهز ٦٢ عاماً مثل البخاري ، أو عن عمر يناهز ٥٥ عاماً مثل مسلم وهكذا ؟ !
لو كلّفنا مؤسّسة ضخمة اليوم ، والأحاديث متوفّرة عندها على أجهزة المعلوماتية ، أن تحقّق أسانيد ومتون الحديث عند المسلمين اليوم لاحتاج عملها رغم كلّ النظام المعلوماتي الخدماتي الهائل إلى سنين طويلة ، وربما توفق وقد لا توفق ، فكيف يستطيع شخص واحد مثل البخاري أو الكليني أن يقوم بهذه ؟ ! والبخاري ألّف كتابه في ستة عشر عاماً ، والكليني في عشرين عاماً ، علماً أنّ
(١٧) تهذيب التهذيب ٧ : ٣٠ .
(١٨) ابن حجر ، تغليق التعليق ٥ : ٤٢١؛ وتاريخ بغداد ٢ : ٩ ، ١٤؛ وإرشاد الساري ١ : ٥٩؛ وهدى الساري : ٥ .
(١٩) هدى الساري : ٤٦٨ .
(٢٠) انظر : إرشاد الساري ١ : ١٧؛ وابن الصلاح ، علوم الحديث : ١٧ ـ ١٨؛ والعراقي ، التقييد والإيضاح : ٢٩ ـ ٣٠؛ ومحمد عجاج الخطيب ، أصول الحديث : ١٠٩ .