فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٠ - تعريف الوقف وثمراته ــ بحث مقارن الشيخ ناصر جهانيان
يقول الإمام الخميني في تحرير الوسيلة : « لا يبعد إن يكون اعتبار الوقف فى جميع أقسامه إيقاف العين لدر المنفعة على الموقوف عليه ، فلا تصير العين ملكا لهم ، ويخرج عن ملك الواقف » (٧٢) . وفي الحقيقة هو يرى أنّ سبب عدم صيرورة العين ملكاً لأحد راجع إلى ماهية الوقف ، وهو إيقاف العين لدرّ المنفعة على الموقوف عليه ، ويرى أيضاً أنّ الوقف حقيقة واحدة في جميع الموارد ، والوقف على الجهة العامة ليس في الوقفية ممتازاً عن الوقف الخاص ، بل امتيازهما بالمتعلق بعد اشتراكهما في الحقيقة ، وكذا سائر الأقسام ، فعلى ذلك لو كان بعض أقسامه مما لا يعقل فيه الملكية والمالكية كالأمثلة المتقدمة نستكشف منه أنّ الوقف بما هو ليس تمليكا ولا قصرا للملكية ، فلا بد من تعريفه بوجه يدخل فيه جميع موارده مع الغض عن متعلقاته ، فما يظهر من بعضهم من أنّ الوقف قد يكون تحريراً وقد يكون تمليكاً لا ينبغي أن يصغى إليه (٧٣) .
حقيقة الوقف هي تحبيس الأصل :
يستفاد من المعنى اللغوي للوقف أنه يدلُّ على تمكُّثٍ في شيءٍ ، ثم يُقاس عليه ، وهو ما أشار إلى جذوره في مقاييس اللغة (٧٤) من قبيل الوقوف في عرفات ومعناه نوع من المكث في مكان وزمان خاصين ، ومصطلح وقف مصدر « وَقَفْتُ الدابةَ ووَقَفْتُ الكلمة َ وَقْفاً » ، وهو متعدي ، ومعناه الإجبار على المكث ، والتسكين ، والإيقاف . وإنما يصير هذا الاصطلاح لازما حينما تقول « وَقَفَتْ وُقوفاً » ومصدره الوقوف بمعنى المكث والسكون والوقوف .
والوقف في الاصطلاح الفقهي مأخوذ من المصدر المتعدي بمعنى الإيقاف ، لا اللازم بمعنى السكون وعدم التحرّك ؛ لأنّ مصدر اللازم هو الوقوف ولا ينسب إلى الواقف (٧٥) . الوقف بمعناه المتعدي يأخذ مفعولا ثانياً بإضافة حرف ( على ) ويكون بمعنى الحبس والمنع ، تقول : « وَقَفَ الأَرضَ على المساكين [ وفي الصحاح للمساكين (٧٦) ] ، وَقْفاً : حبسَها » (٧٧) .
(٧٢) الخميني ، روح الله ، تحرير الوسيلة ٢ : ٧٨ .
(٧٣) الإمام الخميني ، روح الله ، تحرير الوسيلة ، ٣ : ١٢٥ .
(٧٤) راجع : ابن فارس ، أبي الحسين أحمد بن زكريا ، معجم مقاييس اللغة ، دار الجيل ـ بيروت ، ط ٢ ، ١٤٢٠ هـ . ق ، ٦ : ١٣٥ .
(٧٥) راجع : الشهيدي التبريزي ، ميرزا فتاح ، هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ، بلا تاريخ ، ٢ : ٣٤٧ .
(٧٦) يقول الشيخ الشهيدي التبريزي : « وتقديمه إلى الموقوف عليه بكلمة على إنّما هو بلحاظ ما ذكر من الدّاعي إذ الظّاهر أنّها بمعنى اللّام كما في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) : « من حفظ على أمّتي ... الحديث » كما في بعض النّسخ أي لأجل انتفاعهم فتأمّل » . ( الشهيدي التبريزي ، ميرزا فتاح ، هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ، بلا تاريخ ، ٢ : ٣٤٧ ) .
(٧٧) راجع : ابن منظور ، محمد بن مكرم ، لسان العرب ، دار صادر ـ بيروت ، ط ٣ ، ١٤١٤ هـ . ق ، ٩ : ٣٦٠ . والفيومي ، أحمد بن محمد ، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ، المكتبة العلمية ، بلا تاريخ ٢ : ٦٦٩ .