فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٠٢ - تعريف الوقف وثمراته ــ بحث مقارن الشيخ ناصر جهانيان
وأما فقهاء الإمامية المتقدمين (٣٥) ، وفقهاء الزيدية (٣٦) ، وفقهاء الحنبلية المعاصرين (٣٧) ، والنووي والمناوي الشافعي (٣٨) ، فقد لوحوا إشارة وبالدلالة الالتزامية من خلال ذكر قصد القربة في تعريفاتهم إلى كون الوقف صدقة ، وبما أن الشيء الموقوف تبقى عينه ، فمن الواضح بقاء الأجر والثواب عليه ما دام موجوداً ، ومن هنا يقال للوقف صدقةٌ جارية .
والجواب عن هذا القسم من التعريفات هو : أنّه يشير تصريحاً ، أو تلميحاً إلى أن الوقف صدقة ، وتقدّم في بداية هذا المقال الإشكال الوارد على هذا القول .
القسم الثالث :
( الوقف عقد أو إيقاع يحبس فيه الأصل وتطلق المنفعة )
وهذا القسم يمكن أن يُنسب إلى كلّ من ذكر السبب في تعريف الوقف ، سواء عرّفه بأنّه عقد أم إيقاع .
فالفقيه الزيدي شمس الدين السناعي ( المتوفي ٥٧٣ هـ . ق ) يرى أنّ الوقف صدقة إيقاعية ، تذهب منافعها إلى الآخرين . وتقسم الصدقة إلى قسمين :
الأول : الصدقة المتعارفة التي يصير فيها المتصدَّق عليه مالكا للمال ، فتحتاج إلى قبولٍ حالها حال الهبة ، ولذا تكون عقداً .
الثاني : ما يصير فيه المتصدَق عليه مالكا للمنافع والأرباح فقط ، فلا يحتاج إلى قبول ، ولا يجوز إلا في ما فيه قربة (٣٩) .
يشير المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام في تعريف الوقف إلى أنّه عقد ، ويذكر سبب التحبيس والتسبيل ، فيقول : « الوقف : عقد ثمرته تحبيس الأصل ، وإطلاق المنفعة » (٤٠) .
(٣٥) ذهب فقهاء الإمامية المتقدمين إلى أن الوقف صدقة لازمة تذهب منافعها إلى المتصدَق عليه ، ولا يجوز للمتصدِق التصرف بها . رغم أن التعبير بـ « الصدقة الجارية » موجود في الروايات ، وفقهاء الإمامية المتقدمين كالشيخ المفيد في المقنعة ( الشيخ المفيد ، محمد بن محمد بن النعمان ، المقنعة ، جامعة المدرسين ، قم ، ١٤١٠ هـ . ق ، : ٦٥٢ ) وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه ( ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ) والشيخ الطوسي في النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ( ٥٩٦ ) ، وابن البراج في المهذب في الفقه ( ٨٦ ) وابن إدريس الحلي في السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ( ١٥٢ ) ، صرّحوا إلتزاماً بما مفاده أنّ الوقف عطية جارية قُربيّة .
(٣٦) ذهب شمس الدين السناعي ( المتوفي سنة ٥٧٣ هـ . ق ) إلى أنّ الوقف صدقة إيقاعية ، تذهب منافعها إلى الآخرين (شمس الدين السناعي ، شمس الدين جعفر بن أحمد ، الروضة البهية في المسائل المرضية ، دار الندوة الجديدة ـ بيروت ، بلا تاريخ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ) . وعرف القاضي أحمد بن العنسي الوقف بأنه : « حبس مال يمكن الانتفاع به بنية القربة مع بقاء أصله » . والإشكال الأساسي على هذا التعريف هو : أنّه تجاهل حقيقة الوقف إلا وهي التصدق بالمنفعة وقفا لنية الواقف ( راجع : الكبيسي ، محمد عبيد ، أحكام وقف در شريعت اسلام ( مترجم بالفارسية ) المترجم : أحمد صادقي كلور ، انتشارات ادارة كل حج وأوقاف واُمور خيرية استان مازندران ، ط ١ ، اسفند ، ١٣٦٤ هـ . ش [ ١٩٨٦ م ] : ٧٨ ) .
(٣٧) عرف فقهاء الحنابلة المعاصرون الوقف بأنه : « تحبيس مالك مطلق التصرف بماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف في رقبته ، يصرف ريعه إلى جهة برّ ، تقرباً إلى الله تعالى » ( المرداوي الدمشقي ، ١٣٧٦ ق ، : ٣ ) . وجاء في شرح مصطلحات هذا التعريف : ( تحبيس مالك ) بنفسه أو وكيله ( مطلق التصرف ) وهو المكلف الحر الرشيد ( ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ) أي : المال ، قال الحارثي : معنى تحبيس الأصل إمساك الذات عن أسباب التملكات مع قطع ملكه فيها ، ( يصرف ريعه ) أي المال ( إلى جهة بر ) هذا معنى قولهم : وتسبيل المنفعة أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعينة . وقوله : (تقرباً إلى الله تعالى) تبع فيه صاحب المطلع والتنقيح ، ولعل المراد اعتبار ذلك لترتب الثواب عليه لا لصحة الوقف ( راجع : ابن إدريس البهوتي ، ١٤١٨ ق ، : ٢٩٣ ) .
(٣٨) أخذ كل من الإمام النووي ، والمناوي في كتابه ( تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف ) قيد القربة في الوقف ، فعرفاه بأنه : « حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع النظر عن التصرف في رقبته ، وتصرف منافعه إلى البر تقرباً إلى الله تعالى » (سعيد صبري ، عكرمة ، الوقف الاسلامي بين النظرية والتطبيق ، دار النفائس للنشر والتوزيع ـ الاُردن ، ٢٠٠١ م ، : ٣٦ ) .
(٣٩) شمس الدين السناعي ، الروضة البهية في المسائل المرضية ، بلا تاريخ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ .
(٤٠) المحقق الحلي ، جعفر بـن الحسن ، شرائـع الإسلام فـي مسائل الحـلال والحـرام ، انتشارات استقلال ـ طهران ، ١٤٠٩ هـ . ق ، ٢ : ٤٤٠ .