فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٠ - حقيقة التقليد وحالاته آية الله السيد كاظم الحسيني الحائري
مدرك آخر ، وهو الارتكاز والسيرة العقلائية القائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة ، ولعلّه من الواضح ثبوت هذا الارتكاز والسيرة في كثير من الموارد على الرجوع إلى أهل الخبرة كالأطباء في الطب وغيرهم رغم العلم الإجمالي بوقوع التعارض بين آرائهم ، بل ولعلّه رغم العلم التفصيلي أيضاً . وهذا بنفسه يكون دليلاً لنا على التخيير إضافة إلى أنّ هذا يؤثّر على ظهور الدليل اللفظي ويصرفه إلى الحجية التخييرية ، وقد مضى أنّ هذا لا يستلزم استعمال اللفظ في معنيين بلحاظ رواية واحدة دلّت على حجية الفتوى وحجية خبر الثقة في وقت واحد ؛ وذلك لأنّ الفرق في شكل الحجية إنّما استفيد على أساس تعدّد الدالّ والمدلول بالقياس إلى الحجية وشكلها ، لا من حاق اللفظ .
فإن قلت :لا إشكال في أنّ العقلاء في بعض موارد الرجوع إلى أهل الخبرة وهي الموارد الهامة والحياتية لا يعملون بالتخيير ، فمثلاً من كان ابنه مريضاً مشرفاً على الهلاك وكانت نسخة الطبيب مردّدة بين أن يكون دواء له و أن يكون كما يقوله طبيب آخر مسرعاً في هلاكه لا يكتفي مع الإمكان بقول طبيب واحد ، بل يعمل على عقد لجنة طبية أو على الأخذ بأحوط الطرق أو ما شاكل ذلك من أساليب الاحتياط والتثبّت . وفي باب الشرعيات الأمر أهم من أهم الأمور الحياتية ؛ لأنّ المسألة مسألة الجنة والنار والمولوية وحق الطاعة العقلي ، وهذه الأمور أهم من كلّ شيء ، فكيف يعقل ثبوت ارتكاز عقلائي من مثل ذلك على التخيير في التقليد ؟ !
قلنا :إنّ الجنة والنار وحق الطاعة ونحو ذلك كلّها تكون مترتّبة على الحجية وعدم الحجية ، وليست هي الاُمور المؤثّرة في تحديد الحجة وفي ارتكازات باب الحجية ، وإنّما الذي يحسب له الحساب في ذلك هي المصالح والمفاسد الثابتة في متعلّق الأحكام ، وهي في نظر العقلاء كالمصالح الدنيوية التي يركنون فيها