فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٩ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث اُولي الأرحام الشيخ خالد الغفوري
٣ ـ إنّ الأصل عدم النسخ سواء كان بمعناه الاصطلاحي الخاص ، أو بمعناه الواسع، فعلى مدّعي النسخ أنْ يأتي بدليل محكم، وإلاّ صرف الادّعاء والاحتمال لا يسمن ولا يغني من جوع، فعلى المدّعي يقع عبء الاثبات، وإنّما نطالب المدّعي بالدليل باعتبار أنّ دعوى النسخ مخالفة لظاهر الكتاب والخطاب ومغايرة للهدف والمقصود، وعليه فدعوى النسخ في المقام ليست بحاجة إلى ردّ.
٤ ـ إنّ فكرة النسخ هنا غير صحيحة; وذلك:
أ ـ لإمكان الجمع بين مداليل هذه الآيات وعدم استحكام التنافي بين مضامينها، ويظهر ذلك من مراجعة البحث في قوله تعالى : {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } والآراء المطروحة في تفسير الآية ، وبعض النصوص الاُخرى .
إذ يمكن استفادة وجوه عديدة للجمع بين هذه الآيات، منها :
ما ذكره السايس في غضون بحثه حول قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } فبعد أن فسّره بإعطاء الحليف نصيبه المسمّى له في عقد المحالفة ، قال: «فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيباً من الميراث، وقوله تعالى: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } لم ينسخ هذا الحكم، إنّما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث إبن لمن له أخ لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلاّ أنّ الابن أولى منه، وكذلك اُولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له»(٩٦).
وقد سبقه إلى ذلك أبوبكر الجصاص حيث قال: « ...وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنّه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باقٍ لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه»(٩٧).
(٩٦) تفسير آيات الأحكام (السايس) ١ : ٤٤٤ .
(٩٧) أحكام القرآن (الجصاص ) ٢ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ .