غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧١ - في تعريف البيع و حقيقته
(الشارع) في مقابلته بمال و هو أمر منوط برضاه و اذنه ا لا ترى ان العذرة مثلا مع ما و عليه من المقصودية عند أهل الزرع و البساتين لم يرخص (الشارع) في مقابلتها بالمال مضافا الى انا لو سلمنا الملازمة بين إسقاط الحق ممّن هو عليه و بين مصالحته عنه بمال لم نسلم الملازمة بين إسقاطه عنه و بين مصالحة الأجنبي عن الحق بمال فالحق ان الأصل عدم جواز الصّلح عن كلّ ما شك في جواز الصّلح عنه من الحقوق حتى يدل دليل على جوازه كما ان الأصل عدم جواز إسقاط كل حق شك في جواز إسقاطه حتّى يقوم دليل على الجواز
قوله لانّ البيع تمليك الغير
يعنى ان كلّ بيع تمليك الغير من الطّرفين أعني طرفي البائع و المشترى فهو من طرف البائع تمليك العين للمشتري و من طرف المشترى تمليك الثمن للبائع ففيما نحن فيه إذا فرض انّ الحقّ غير قابل للنّقل الى الغير لم يصح من المشترى ان يجعله ثمنا و ينقله إلى البائع في مقابل العين الّتي نقلها اليه
قوله (رحمه الله) و لا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه
يعنى ان كلية التعليل الّذي هو ان البيع تمليك الغير لا تنتقض ببيع الدّين على من هو عليه و تقريب وجه النّقض هو ان بيع الدين على من هو ليس إلا عبارة عن إسقاطه عن ذمّة المديون و مع سقوطه لا يبقى شيء حتى يملكه و وجه الدّفع هو ان السّقوط هنا يتفرّع على التمليك و لا مانع من اجتماعهما بحيث يتفرّع السّقوط على التّمليك و من جهة عدم المانع من اجتماعهما صار أمر الإبراء ملتبسا فجعله الشهيد (رحمه الله) مرددا بين الاسقاط و التمليك
قوله و الحاصل انه يعقل ان يكون مالكا في ذمّته فيؤثر تمليكه السقوط و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه
غرضه (رحمه الله) بيان حاصل وجه الفرق بين الحق و الدّين من حيث صحّة البيع الثاني و عدم صحة كون الأوّل ثمنا للمبيع و قد استفيد إثبات الفرق من التعرّض لعدم ورود النقض ببيع الدّين هذا و لكن لا يخفى عليك ان ما ذكره في هذه العبارة من انه لا يعقل ان يتسلّط على نفسه مبنىّ على ما أشرنا إليه من كون النّقل مغاير المعنى الاسقاط من حيث انه يعتبر في نقل الحقّ انتقاله من صاحبه الأول إلى غيره بحيث يترتب عليه عند المنتقل اليه تلك الآثار الّتي كانت تترتب عليه عند المنتقل منه و الا كان عبارة عن الإسقاط فينتفى الأثر الّذي كان يرتّب عليه صاحبه و لا يفيد جواز ترتيب أثره ممّن أسقط عنه و بهذا البيان يمكن دفع ما قد يتوهّم وروده من النّقض بأنّه إذا كان بيع الدّين ممّن هو عليه مفيدا للملكية له و ترتب السّقوط عليه فليكن نظيره ثابتا فيما لو باع من عليه الحق من المستحقّ عينا بحقّه فلم لا يفيد ذلك صيرورة الحقّ ملكا للبائع الّذي هو من عليه الحقّ حتّى يترتب عليه سقوطه و وجه الدّفع ان ذلك (حينئذ) لا يكون نقلا للحق في مقابل إسقاطه و انّما يكون إسقاطا ثمّ انه يبقى هنا مناقشة تتجه على كلام (المصنف) (رحمه الله) و هي ان قوله و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه و ما ذكره من السر بعد ذلك انّما يتم على تقدير كون المنقول اليه هو خصوص من عليه الحق و قد عرفت انه كما يصحّ شرعا ان ينقل الحق الى من هو عليه (كذلك) يصحّ ان ينقل الى غيره ممّن هو أجنبي عنهما فكلامه قاصر عن افادة تمام المقصود بل موهم لخلافه بل نقول ان النقل مقابل الإسقاط إذا كان لا يتصوّر بالنّسبة الى من عليه الحقّ كان اللازم تحرير البحث و سبك التّعليل الى النقل بالأجنبي و يمكن الجواب بان مورد النقض لما كان بيع الدين على من هو عليه كان اللازم في تحرير الجواب هو النسج على منواله و إذ قد عرفت ذلك فاعلم أن لبعض مشايخنا في المقام كلاما ينبغي ذكره و هو انه اختار التفصيل بين ما كان من الحقوق لا يقبل الاسقاط كحقّ السّلام و حق ولاية الأب و الجدّ مثلا و بين ما يقبل النّقل كحقّ التحجير و بين ما يقبل الاسقاط كحقّ الخيار و الشفعة فمنع من صيرورة الأوّل عوضا للمبيع و أجازها في الأخيرين استنادا الى العمومات الدّالة على مشروعية البيع و فرّع على ذلك الاعتراض على (المصنف) (رحمه الله) بأنّ الاستشكال في جواز صيرورة كل من حق التحجير و حق الخيار و حق الشّفعة عوضا للمبيع من جهة عدم المالية في الأوّل و قد اعتبر في المصباح كون العوض مالا و عدم تعقل سلطته الإنسان على نفسه في الأخيرين مما لا وجه له امّا الأوّل فلعدم حجيّة قول صاحب المصباح في حقنا بعد علمنا بمعنى البيع أو لاحتمال ان مراده بيان الصّنف الغالب و امّا التأني فلان الحقّ (مطلقا) ان قبل النّقل كما اعترف به في حق التحجير (فحينئذ) يصحّ في حق الخيار و حق الشّفعة جعلهما عوضا للمبيع فيفيد البيع نقلهما و تمليكهما و يترتب على ذلك السّقوط كما في بيع الدّين على من هو عليه و ان لم يقبل النّقل فلم اعترف به في حق التحجير و استند في الاستشكال الى عدم الماليّة ثمّ ان هذا كلّه انما هو إذا كان البيع بحق الخيار أو الشّفعة مثلا على من عليه الحق و اما إذا كان البيع بهما على الأجنبي فلا يصحّ لعدم ثبوت ذلك من الشرع هذا كلامه و قد عرفت ممّا تقدم ما فيه فان (المصنف) (رحمه الله) استشكل في المسئلة من باب احتمال كون العوض لا بدّ من ان يكون مالا و لا يدفعه الا دعوى العلم و بابه الى التفصيل الرافع للإشكال منسدّ و احتمال ان مراد صاحب المصباح بيان الفرد الغالب لا يفيدنا العلم بذلك و قد عرفت اختلاف أحوال الحقوق عند فقهائنا فراجع و تدبّر ثمّ انى بعد ما حرّرت المقام عثرت على كلام لبعض المعاصرين سلمه اللّه (تعالى) أعجبني نقله قال و امّا الحق ففي جواز كونه ثمنا للبيع وجوه أو أقوال فقد (يقال) بجوازه (مطلقا) للإطلاقات القاضية بكونه كالصّلح الّذي لا إشكال في وقوعه على الحقوق (مطلقا) و قد (يقال) بعدمه (كذلك) للأصل و لاعتبار المالية فيه لغة و عرفا مع عدم صدقها على ذلك (كذلك) و لظهور كلمات الفقهاء في مقامات شتى في حصره بالمال و قد يفصل بأنّ الحقّ ان لم يقبل المعاوضة أو الانتقال فلا إشكال في عدم
جواز بيعه لان البيع تمليك الغير و الفرض تعذره أو لمعلومية كونه من النواقل لا من المسقطات بخلاف الصّلح و ان قبل الانتقال و صحّ الصّلح عليه بالمال ففيه اشكال لما مرّ في الثاني الا انّه قاصر عن تقييد الإطلاقات اللهم الا ان يمنع شمولها لذلك باعتبار عدم ثبوت تعارف نحو ذلك أو يمنع التمسّك بها في نحو ذلك و (حينئذ) فلا مخرج عن الأصل و امّا الأول فقد ينتقض ببيع الدين على من هو عليه المقتضى للإسقاط و لو باعتبار ان الإنسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه و ذلك بعينه آت في نحو حق الخيار و الشّفعة و قد يفرق بينهما بأنه لا مانع عقلا من كون البيع المزبور تمليكا لما في ذمّته فيسقط عنه كما احتمل في الإبراء و (حينئذ) فيعقل ذلك و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه لأن الحقّ سلطنة فعليه لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد بخلاف الملك فإنه نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج الى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه و قد يدفع أولا بنقل الخيار مثلا الى غير من عليه الحقّ فإن إنكار تعقله قد يشبه المكابرة كإنكار دخوله في محلّ البحث و ثانيا بان معنى كون الخيار مثلا قد انتقل اليه ان سلطنة فسخ العقد الّتي كانت لغيره قد صارت له فله فسخه كما كان لغيره و لا يتوقف على من عليه الحقّ كي يستحيل اتحاد ذي