غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١٨ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
يكون ذلك طلاقا أو عتقا قال لا يكون طلاقا و لا عتقا حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده و هو يريد الطّلاق أو العتق و يكون ذلك منه بالأهلة و الشهود يكون غائبا عن اهله بعد حملها على من لا يقدر على النّطق كالأخرس كما جعله في الوسائل من محاملها و ان كان قد جعلها في كشف اللثام دليلا للقائلين بوقوع الطّلاق بالكتابة مع الغيبة كما عن (النهاية) و الوسيلة و الكامل و قال في ذيلها و يبعد حمله يعنى صحيح الثمالي على الضّرورة إذ لا يشترط عنده الغيبة
قوله (قدس سرّه) و اما مع القدرة على الإشارة فقد رجح بعض الإشارة و لعله لأنها أصرح في الإنشاء عن الكتابة و في بعض روايات الطّلاق ما يدل على العكس و اليه ذهب الحلي (قدس سرّه) هناك
أراد بالبعض الذي رجح الإشارة هو شارح كتاب المتاجر من (القواعد) فقد حكى عنه ان الكتابة متأخرة عنها و وجّهه (المصنف) (رحمه الله) بأنه لعله لكون الإشارة أصرح في الإنشاء من الكتابة و أنت خبير بان للمنع من ذلك مجالا واسعا ثم لو سلم كونها أصرح لكن في اقتضائه الترتيب بين الإشارة و الكتابة نظر بل منع لان المعتبر من الإشارة انما هي المفهمة و بدون الافهام لا عبرة بها و (كذلك) الكتابة إذا لم تكن مفيدة لم تعتبر فكون الإشارة بنوعها أصرح غير مفيدة و الرواية الدالة على العكس عبارة عن صحيحة البزنطي قال سئلت الرّضا (عليه السلام) عن الرّجل يكون عنده المرأة يصمت و لا يتكلم قال أخرس هو قلت نعم و يعلم منه بغض لامرأته و كراهته لها أ يجوز ان يطلق عنه وليه قال لا و لكن يكتب و يشهد على ذلك قلت فإنه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها قال بالذي يعرف به من فعله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها قال في كشف اللّثام بعد ذكر الخبر و فيه تقديم الكتابة على الإشارة انتهى و قال الحلي (قدس سرّه) في كتاب الطلاق و من لم يتمكن من الكلام مثل ان يكون أخرس فليكتب الطلاق بيده ان كان ممّن يحسن الكتابة فان لم يحسن فليؤم الى الطلاق كما يومي الى بعض ما يحتاج اليه فمتى فهم من إيمائه ذلك وقع طلاقه انتهى فقد عرفت مما ذكر قولين في المسئلة و يظهر من عبارة لك التي قد عرفت حكايتها سابقا عدم الترتب بين الإشارة و الكتابة فيجزي ما وقع منهما و مثله عبارة المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في شرح (الإرشاد) حيث قال و مثل الإشارة الكتابة على الورق و الخشب و التراب بحيث يدل على الرضا انتهى و يظهر ذلك من صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بل فيها انه لا يبعد ان المراد بالإشارة كل ما دل على المقصود غير اللّفظ حتى الكتابة انتهى و هذا المقدار و ان كان لم يثبت الا ان (الظاهر) عدم الفرق في الحكم بين الإشارة و الكتابة فلا ترتب بينهما نظرا إلى انّه لم يظهر من صحيحة البزنطي ان ذكر الكتابة قيل ما ذكر فيها من الفعل المفيد للإشارة انما هو من جهة تقدمها بحسب الرتبة فيحتمل احتمالا غير بعيد ان ذكرها ابتداء انما هو من جهة كونها أحد أفرادي ما يقع به الطلاق منه فلا تدل الصّحيحة على تعين تقديم الكتابة على الإشارة و يعتبر كون كل منهما ممّا علم قصد الإنشاء به و من هنا يعلم ان ما حكاه بعض المعاصرين عن ظاهر الأكثر من وجوب ضم الإشارة إلى الكتابة كما حكى عن (الدروس) انه تكفي الكتابة لو تعذّر النّطق مع الإشارة و نحوه عن النهاية لا وجه له إذ لا دليل على ضم الإشارة إلى الكتابة سواء كان مرتبة الإشارة قبل الكتابة أو بعدها أو كانتا متساويتين لأنه ان كان وجه اعتبار ضمّها إليها كون الإشارة أصرح فذلك غير مستلزم للضم بعد فرض إفادة الكتابة للمقصود الّذي هو إرادة إنشاء البيع بالكتابة و ان كان وجهه هو كون الكتابة غير مفيدة لكون المقصود بها الإنشاء و انه لا بد من ضميمة ما يفيد ان المقصود بها هو الإنشاء فهو لا يدل على تعيين خصوص الإشارة و ان كان أصل المدّعى حقّا لأن الكتابة قد يتعلق بها أغراض أخر و لو مثل امتحان المداد و القلم مثلا أو حكاية كلام أحد سمعه منه الا ان (يقال) ان مرادهم بالإشارة مطلق ما يدل على قصد الإنشاء بالكتابة كما قيل بل استظهر من النهاية فتدبر
قوله ثمّ الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ تارة يقع في مواد الألفاظ من حيث افادة المعنى بالصّراحة و الظهور و الحقيقة و المجاز و الكناية و من حيث اللغة المستعملة في معنى المعاملة و اخرى في هيئة كل من الإيجاب و القبول من حيث اعتبار كونه بالجملة الفعلية و كونه بالماضي و ثالثه في هيئة تركيب الإيجاب و القبول من حيث الترتيب و الموالاة
و تحقيق المقام ان كل عقد يلاحظ فيه جهات ثلث جهة اللفظ و جهة الخطاب و جهة العقد امّا الاولى فلا بد فيها من القصد الى اللفظ و يجرى فيه اعتبارات ثلاثة اعتباره بحسب الجنس ككونه عربيا مثلا و اعتباره من حيث الصّنف ككونه من صبغ الماضي في اللغة العربية و اعتباره من حيث الشخص فلا بد من قصد الجميع بالإجماع لو قلنا باعتبار الأولين و الا فيقصد ما يأتي به بدلهما و حاصل ذلك انه لا بد من قصد اللّفظ الذي يوقع به العقد بخصوصيّته من حيث أنواع اللغات و أصناف الصّيغ من الماضي و غيره ثم ان قصد الأخير مشتمل على قصد الأوليين فمن قصد التّلفظ بلفظ بعت فقد قصد اللّفظ العربي الماضي الذي هو من المادة الخاصة فلا يكفى من اللّفظ الا ما هو مقصود بخصوصه للإجماع و لان المراد بالعقود المأمور بالوفاء بها انما هي العقود المتعارفة الّتي ليست إلا عبارة عما قصد فيه لفظ مخصوص و لأن الأصل عدم حصول النقل و الانتقال بغير ما قصد فيه لفظ خاص فلو تلفظ سهوا بما لم يقصده لم ينعقد به العقد و ان كان في حد ذاته ممّا يقع به العقد الخاص مثال ذلك ان القائل بانعقاد البيع بلفظ ملكت و بعت لو قصد إيقاعه بالأوّل فسهى و قال بعت لم يكن مجزيا للإجماع و للقاعدة لأن الإنشاء الّذي قصده باللفظ المقصود لم يقع و الإنشاء الّذي وقع باللفظ الصادر لم يقصد و (كذلك) لو اتى بألفاظ متعدّدة و لم يعيّن واحدا منها بشخصه للإنشاء به و إتيانه بالألفاظ المتعدّدة يقع على قسمين أحدهما ان يجمع بينها في الإيجاب بأن يقول في إيجاب النّكاح مثل زوّجت و أنكحت و متعت هندا من موكلك زيد على الصّداق المعلوم فيقول صاحبه قبلت و ثانيهما ان يوجب بأحدهما فيقع القبول بعده بلا فصل ثم يوجب بالاخر فيتبعه قبوله ثم يوجب بالثالث و يتبعه قبوله و هكذا و (حينئذ) نقول ان عدم قصد واحد معين يقع على وجوه أحدها ان يقصد الإنشاء بجنس ما يقع به النكاح الصّادق على كل من الألفاظ المتعدّدة المفروض عدم تعيين بعضها للإنشاء به ثانيها ان يقصد واحدا مرددا