غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٨ - في اعتبار عدم اللحن
ماء فأتاه بماء الفرات كان عاصيا غير ممتثل أم يعد مطيعا مع وجود انصراف الماء الى ماء دجلة عندهم في بادى أنظارهم و من المعلوم ان لكل قوم من العرب و العجم و الهندي و الرّومي و غيرهم عقدا و بيعا و ذلك معلوم لكل أحد فمجرد ان قوما مخصوصين تداولوا فردا من افراد الكلّي لا يوجب التشكيك في ذلك الكلى بحيث ينصرف اللّفظ الى ذلك الفرد و هذا أمر مقرّر في الأصول واضح حكمه عند علمائها كما انه واضح عند أهل التعارف و التحاور لمن راجع طريقتهم و عملهم فتدبر الثالث ان ما ذكره من دعوى كون العقد و البيع اسمين للصحيح ممّا لا يخفى سقوطه ضرورة انهما من الألفاظ العرفية العربيّة و ليسا من جملة الحقائق الشرعيّة و لا مما اعتبر (الشارع) في إطلاق اسمه و استعماله قيدا فاستعمله على وجه الخصوصيّة و لو سلّم ذلك في البيع و مثله ممّا هو اسم لعنوان معاملة خاصة كما هو محتمل كلام الشّهيد (قدس سرّه) بناء على جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ فيه و في أمثاله لم يسلم في لفظ العقد فإنه من الألفاظ الّتي لم يحتمل أحد جريان نزاع الصّحيح و الأعم فيه بل هو من الألفاظ العرفية العامة الباقية على حالتها الأصلية قطعا الرابع ان ما ذكره من كون العربيّة ركنا في العقد و البيع على القول بكونهما للأعمّ بحسب الوضع الشرعي أو بحسب استعمال (الشارع) كما هو احتمال في جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ كما حررناه في الأصول لا وجه له لان معنى جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ في المعاملات على غير الكيفية الّتي تجري في العبادات لان كيفيّته في العبادات عبارة عن ان (الشارع) هل وضع ألفاظها للمخترعات الجامعة للاجزاء و الشرائط أو استعملها مجازا عن معانيها اللغويّة في المخترعات المأخوذة على وجه أعمّ من استجماع جميع الاجزاء و الشرائط بخلاف ألفاظ عناوين المعاملات كالبيع و الإجارة و نحوهما فإن كيفية النزاع فيها عبارة عن ان تلك الألفاظ هل هي باقية على معانيها اللّغوية أو العرفية العامة أم هي منقولة عند (الشارع) الى عنوانات المقيدة بجميع القيود المعتبرة في نظره أو مستعملة في لسانه فيها على وجه الخصوصيّة و السر في الفرق هو ان العبادات من مخترعاته فإذا وضع لها الألفاظ جاء الخلاف في وضعها للصّحيح أو للأعمّ بخلاف المعاملات فإنها أمور موجودة في الأصل و ألفاظها موضوعة لمعانيها التي هي أعمّ من مستجمع الشرائط في نظر (الشارع) و غيره فنقل (الشارع) لها من معانيها الأصلية إلى المعنى الأعمّ لغو لا حاجة تدعو اليه و لهذا يتمسّك المنكرون للصّحيح فيها و هم الأكثر بإطلاقها بحسب مفاهيمها العرفية من دون إبداء فرق بين ما هو ركن و غيره بحسب الشّرع حتى من القائلين بالأعمّ الأركاني نعم يعتبرون ما هو الثابت شرعا من القيود و ينفون ما عداه بإطلاق ألفاظها بحسب العرف و على هذا فاعتبار ما هو ركن عند (الشارع) و نفى غيره مما لا مجال له و هذا هو الحال بحسب الواقع و ان شئت قلت لا (يخلو) اما ان يراد بركنيّة العربيّة ركنيتها عند أهل العرف بحسب معانيها العرفية أو يراد ركنيّتها عند (الشارع) فإن أريد الأوّل فهو غلط إذ لم يعتبر في وضع العقد و البيع و نحوهما من ألفاظ المعاملات و العقود كونها واقعة باللّفظ العربي كما لا يخفى على من راجع كتب اللّغة و قياس العربيّة على كون الإيجاب و القبول من قبيل الألفاظ فاسد لان اعتبار اللّفظ (أيضا) ليس من باب الرّكنية بل من جهة كونه كاشفا عن تحقق العقد و العهد و اين ذلك من العربيّة و ان أريد الثاني (فكذلك) إذ لا معنى للقول بالأعمّ في المعاملات و اعتبار وجود الركن الشّرعي لما عرفت من معنى الأعمّ فيها عند القوم و السر الذي بيّناه من صيرورة النّقل في الأعمّ لغوا و لهذا لم يحتمله أحد فإنه يكفي زيادة شرط على المعنى العرفي و اعتباره فيما أمضاه أعني نفس المعاملة و لا حاجة الى التصرّف في اللفظ بنقل أو تجوز فيه باستعماله في المقيّد على وجه الخصوصيّة الخامس انّ استظهار الحصر في الألفاظ العربيّة من عبارات الأصحاب ليس في محلّه فإنه لا يستفاد منها الحصر في العربي غاية ما في الباب انه من جهة كون الكتاب و السّنة و كتب الأصحاب عربيّات تعرضوا لما هو الصّريح من هذه اللّغة فيما بين ألفاظها و دعوى أن إهمال الأكثر التّصريح بها انما هو لمعلوميتها ممنوعة فإن الحكم الشرعي لا بد من بيانه كما انهم تعرضوا لما هو أوضح من ذلك و اجلى و كذا دعوى أن إهماله انما هو للاستغناء عنها بذكر
الصّيغة الخاصّة الّتي لا يتعدّى منها الى مرادفها فان عدم جواز التعدي إلى مرادفها المساوي لها في مرتبة الصّراحة ممنوع و الى ما دونه انما هو من جهة انتفاء الصّراحة الّتي هي شرط في العقد فلا يقاس عليه حال التّعدي الى ما يساويه من التّرجمة بسائر اللّغات
قوله للتأسّي كما في (جامع المقاصد)
ليس في هذا اللّفظ و لا ما هو عبارة أخرى مساوية له في المعنى و قد قدّمنا ذكر عبارته في ذيل الوجه الأوّل من وجوه قول الأكثر باعتبار العربيّة في عقد النكاح و بينا محصله و يحتمل ان (المصنف) (رحمه الله) استفاد التمسّك بالتّأسّي من قوله في ذيل العبارة المتقدّمة و معلوم ان العقود الواقعة في زمن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليه السلام) انما كانت بالعربية
قوله (رحمه الله) و في الوجهين ما لا يخفى
قد بينا وجه رد الوجهين في ذيل الأدلة
قوله و أضعف منهما منع صدق العقد على غير العربي مع التمكن من العربي
لأن معنى العقد هو العهد المؤكد المستوثق و لم يؤخذ في مفهومه وقوع العهد بالعربيّة مضافا الى انه ان صدق العقد على غير العربي في صورة عدم التمكن كما هو المصرّح في كلماتهم و ينبئ عنه التقييد بقوله مع التمكن من العربي لم يبق وجه لدعوى عدم صدق مفهومه مع التمكن من العربي لأن مفهومه لا يختلف بالتمكن و عدمه و (حينئذ) فيتوجه الاستدلال بأوفوا بالعقود و ليس ممّا اعرض عنه الأصحاب في هذا المقام فما قواه (المصنف) (رحمه الله) من صحة إيقاع عقد البيع بغير العربي هو الأقوى
[في اعتبار عدم اللحن]
قوله الأقوى ذلك بناء على ان دليل اعتبار العربيّة هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل
هذا الوجه و ان لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) في عداد أدلة القائلين باعتبار العربيّة الا انه أشار إليه المحقق الثاني (قدس سرّه) في أول عبارته الّتي حكيناها عنه في ذيل أول وجوه اعتبار العربيّة في المقام الأوّل و هو عقد النكاح و انّما بنى الحكم باشتراط عربيّة الهيئة على هذا الوجه لان الوجوه الّتي ذكرها مع الإغماض عن عدم أدائها إلى (المقصود) من أصل حكم المسئلة لا تنهض دليلا لاعتبار العربيّة باعتبار الهيئة أمّا التّأسّي فلكونه عبارة أخرى عن ان المتعارف في زمن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كانت بالعربيّة كما عبر به المحقّق الثاني (قدس سرّه) الّذي نسب التمسّك بالتّأسّي اليه و معلوم انه كما كان في زمان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقع من العقود ما هو صحيح بحسب الهيئة (كذلك) كان يقع منها ما هو ملحون بحسبها و امّا الاستدلال بان عدم صحّته بالعربي الغير الماضي يستلزم عدم صحّته بغير العربي بطريق اولى فلان ذلك لا يستلزم اعتبار الصحّة بحسب الهيئة لكونه أعم منها و امّا منع صدق العقد على غير العربي فلان ما كان مادته عربية و هيئته ملحونة من العقود يصدق عليه انه عقد و يصدق عليه انه عقد بالعربيّة و هو طاهر و ليعلم ان من اعتبر بالعربيّة الصّحيحة مادة و هيئة و إعرابا و بناء قد اعتبرها في حال الاختيار امّا مع الضّرورة فيجزي غيرها ايضا كما حكى عن صيغ العقود و غيرها
قوله و لعله العدم معنى صحيح