غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٠٠ - رابعها إباحة المال بإزاء الإباحة
عن تراض عليه من حيث معاوضة الإباحة بالإباحة و شمول قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على ما عرفت من صدق العقد على مطلق العهد و ان لم يكشف عنه اللّفظ و انما كان الكاشف هو الفعل و قد عرفت ايضا عدم الدليل على انحصار العقود في خصوص المعاوضات المعهودة فتدبّر و قال بعض المعاصرين في كتابه ان صحّة الإباحة المجانية على الوجه العام أو الخاص بغير التصرّفات المتوقفة على الملك قاضية بصحّة المعاوضية (كذلك) و للأصل و العمومات المعتضدة بنفي الخلاف أو الإشكال في كلام البعض و ربما يشكل بخروجها عن المعاوضات المعهودة شرعا و عرفا مع احتمال منع صدق التجارة عليها فضلا عن البيع و قد يدفع مع إمكان كونها من الصّلح لانّه بمعنى التّسالم على أمر بناء على عدم اشتراط كونه بلفظه كما قيل بان خروجها عنها مع تسليمه غير قادح بعد قضاء العمومات بها حتى نحو قولهم (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم كما قيل و (حينئذ) فتكون معاملة مستقلة و في لزومها أو جوازها وجهان من العموم أوصاله التسلّط كما قيل و لكن في قضاء العموم بذلك تأمّل فالوجه الثاني مع منع كون ذلك من الشّروط الّتي يجب الوفاء بها كما هو واضح و في لزومها بما تلزم به الإباحة في المعاطاة وجهان أقربهما ذلك لاتحاد المناط فتأمّل جيدا انتهى و (الظاهر) ان المراد بالأصل أصالة الجواز و هي انما تفيد جواز اباحة كلّ منهما ماله و لا تفيد كون معاوضة الإباحة بالإباحة معاملة شرعيّة (فتأمل) و مراده بالعمومات ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من عموم تسلّط النّاس على أموالهم و عدم حلّ مال امرء الا بطيب نفسه و التجارة عن تراض و مراده من نفى الخلاف هو ما ذكره (رحمه الله) ايضا و هذه الوجوه و ان تقدّم بعض المناقشات فيها الا ان الإنصاف انه يمكن ان يستدلّ للحكم بالصحّة بصدق التّجارة عن تراض من جهة تعويض اباحة بإباحة ربما في ذيل بعض ما نطق من الاخبار بعدم حلّ مال امرء الا عن طيب نفسه من انّه إذا طاب نفسه حلّ فيصير في مقام إعطاء القاعدة تنبيهان الأوّل ان من الأقسام الّتي يمكن تصوّر صدق المعاطاة عليها هو ان لا يقصدا خصوص البيع و التمليك و لا خصوص عنوان الإباحة بل يعطى صاحبه شيئا ليتناول عوضه فيدفعه اليه و قد استشكل في صحّته بعض المعاصرين و قد (يقال) بشرعيته على القول باشتراط الصّيغة في البيع و جعل المعاطاة من باب الإباحة نظرا الى تصحيحه على جهة الإباحة الّتي هي كالأصل فيما يقصد به مطلق التسليط فغيرها محتاج الى قصد أخر بخلافها فإنه يكفي فيها قصد هذا التّسليط المطلق و يمكن ان يكون هذا مراد الشيخ (قدس سرّه) و غيره في المثال الّذي ذكروه من إعطاء البقلي شيئا بل القائل بعدم اشتراط الصّيغة في البيع و بكون المعاطاة من اقسامه كالمحقق الثاني (قدس سرّه) و اتباعه قد يقول بشرعيّة ما ذكر من الإباحة بالإباحة ضرورة عدم إمكان جعله بيعا بعد فرض عدم التّسليط على جهة الملك فيكون إباحة مالكية لطيب نفس المالك و رضاه لسائر التصرّفات و لا بأس به مع عدم إرادة إثبات إنشاء الإباحة المالكية و الا فلا تكون كالأصل بل تحتاج الى قصد ايضا هذا و لا يخفى ان ما ذكرناه من احتمال كون المراد في المثال الّذي ذكر من إعطاء البقلي شيئا هو هذا القسم الّذي هو عبارة عمّا هو أعمّ من البيع و الإباحة بان يعطى شيئا ليتناول شيئا مجرّد احتمال و الا فلا بد و ان يكون مرادهم ما يصحّ توارد الأقوال عليه كما هو الشّأن في كلّ عنوان وقع فيه النزاع و ليس إلا صورة قصد المتعاطيين البيع العرفي و ان كان (الشارع) لم يرتب عليه حكم البيع و انما رتب عليه حكم الإباحة و ذلك لان كلامهم انما هو في مقابلة العامّة القائلين بكونها بيعا و في مقابلة بعض الخاصّة كالمفيد (رحمه الله) على احتمال فلا بد من جعل محل النّزاع قابلا لكونه بيعا و جعل هذا النّزاع العظيم لفظيا ممّا لا وجه له و من هنا يظهر سقوط ما ذكره بعض المعاصرين تبعا لصاحب (الجواهر) (رحمه الله) من ان محل النّزاع ما لو قصد المتعاطيان الإباحة و ذلك لان إجراء (الشارع) حكم الإباحة على ما قصد فيه المتعاطيان التمليك أمر معقول بخلاف العكس ثمّ ان السر في عدم تعرض (المصنف) (قدس سرّه) هنا لذكر هذا القسم هو بناؤه على إنكار وقوعه لانه قال في أوّل المعاطاة ما لفظه و ربما يذكر وجهان أخر ان أحدهما ان يقع النقل من غير قصد البيع و لا تصريح بالإباحة المزبورة
بل يعطى شيئا ليتناول شيئا فدفعه الأخر إليه الى ان قال و يرد الأوّل بامتناع خلو الدافع عن قصد عنوان من عناوين البيع أو الإباحة أو العارية أو الوديعة أو القرض أو غير ذلك من العنوانات الخاصّة انتهى و ان كان دعوى امتناع الخلو ممّا لا يخفى ما فيه و قال بعض المعاصرين في ذيل كلام له معترضا على (المصنف) (قدس سرّه) ما نصّه كما لا يلتفت الى ردّ هذا الوجه بامتناع خلو الدافع عن قصد عنوان خاص من بيع أو إباحة أو عارية أو وديعة أو قرض أو غير ذلك خصوصا بعد الاعتراف بإمكان قصد الملك المطلق كما في بيع لبن الشاة و بعد الاعتراف بأنّ المعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع الرّضا بالتصرّف بدون إنشاء إباحة أو تمليك و ان كان في دخوله في المعاطاة المتنازع فيها منع ظاهر انتهى و لا يخفى على من راجع كلام (المصنف) (قدس سرّه) في أوّل المعاطاة انه لم يعترف بالإمكان و انّما استدرك في ذيل كلامه انّه يظهر من غير واحد في مثل بيع لبن الشاة و غيره كون التّمليك المطلق أعمّ من البيع فلا اعتراض عليه (رحمه الله) من هذه الجهة و امّا ما ذكره من كون الاعتراف بأنّ المعيار وصول المالين أو أحدهما منافيا لاشتراط القصد الى عنوان خاص من العناوين فهو واضح السّقوط أيضا لأنّه (قدس سرّه) لم يعترف بذلك بل قال في الأمر الثاني ما لفظه و ربما يدعى انعقاد المعاطاة بمجرّد إيصال الثّمن و أخذ المثمن من غير صدق إعطاء أصلا الى ان قال و سيجيء توضيح ذلك في محلّه (إن شاء الله) و ذكر في ذيل الأمر الثامن عند التعرّض لتحقق المعاطاة بالعقد الفاسد ما لفظه الثاني انه لا يشترط في المعاطاة إنشاء الإباحة و التّمليك بالقبض بل و لا بمطلق الفعل بل يكفى وصول كل من العوضين الى مالك الأخر و الرّضا بالتصرّف قبله أو بعده على الوجه المذكور ثم استشكل فيه و بين وجه الاشكال و قال في ذيله فالمعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع التراضي بالتصرّف و هذا ليس ببعيد على القول بالإباحة انتهى و من المعلوم انه لا يقول بالإباحة ثمّ انه قد تحصّل من جميع ما تقدّم انّ المعاطاة تتصوّر على وجوه أحدها إعطاء كلّ من اثنين عوضا عمّا يأخذه من الأخر