غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٨ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
يعتبر كون ألفاظ العقود اللازمة من قبيل الحقيقة كما أشار إليها بقوله الا ان يراد باعتبار الحقائق و ما ذكره المحقق الثاني (رحمه الله) لا ينطبق على العبارة الثانية الا بان يراد بالحقيقة ما هو أعم منها و من المجاز القريب و هو تكلف بعيد بخلاف ما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) من وجه الجمع فان مقتضاه التوسعة في اعتبار الحقيقة بمعنى كون الدلالة مستندة الى الحقيقة سواء كانت هي المفيدة لمضمون العقد ابتداء بان يقع الإنشاء به أم كانت ممّا يستند إليه دلالة اللّفظ الّذي وقع به الإنشاء غاية ما (يقال) ان فيه نوع تسامح فنقول بعد تسليمه انه تسامح يساعد عليه مواقع الألفاظ من دون استهجان فيه فلا ضير هذا و ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) قد أورد عليه بعض من تأخر أولا بان ما ذكره (رحمه الله) لو كان من مقاصدهم لصرّحوا به أو أشاروا اليه و لم يقل أحد بأنّ المناط عندنا هو استناد الدلالة إلى الوضع بمعنى انه لو كان اللّفظ مجازيا قرينته لفظ دال بالوضع كفى بل صرّح بعض الأساطين (قدس سرّه) بخلافه حيث حكم بان مثل نقلت بالبيع و ملكت بالبيع لا ينعقد به الصّيغة و (المصنف) (رحمه الله) و ان كان يرى ان التمليك حقيقة في البيع فيصح عنده عقد البيع به بهذا الاعتبار حتى لو لم يعتبر هذه القاعدة التي عليها الكلام هنا الا ان ذلك البعض يرى كون التمليك أعم من البيع فيقول انه مع تقيده بقرينة لفظية هو حقيقة في المعاملة الخاصة التي هي البيع لا ينعقد به عقده و ثانيا بان ما استشهد به (المصنف) (رحمه الله) من عبارات الأصحاب مثل ما دل على انه يجوز عقد البيع بلفظ السّلف يعطي ان استعمال اللّفظ المجازي جائز ضرورة أن السّلف موضوع لنوع خاص و ان استعماله في البيع الحال المغاير له مجاز مع انهم لم يشترطوا وجود القرينة اللفظية بل كلامهم أعمّ منها و من القرائن الحالية و العقلية و قد نسب إلى الأكثر جواز عقد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) و ان كانت قرينته حالية بل ما يذكرونه من الصّيغ في الرّسائل الموضوعة لبيان صيغ العقود أو الكتب الفقهيّة ليس مقرونا بقرينة لفظية و انما اكتفوا بدلالة المقام و ثالثا بانا ترى ان ما يعتبرونه من الصّراحة في العقود انّما يعتبرونه في اللّفظ الّذي يقع به الإنشاء دون متعلقاته فيقولون السّراح و الفراق ليسا بصريحين و ان الخلع و الكتابة و غيرهما ممّا يحترزون عنه في البيع ليست بصريحة و هذا لا يتم الا بان يكون نفس اللفظ المنشأ به حقيقة إذ لو كان مرادهم أعم لم يبق غير صريح في الألفاظ ضرورة ان كل ما هو غير صريح إذا قيد بقيود كثيرة خرج الى الصّراحة بل لا حاجة في بعض الموارد إلى كثرة القيود مثل ان يقول أعطيتك هذا المال على وجه البيع بثمن معلوم هو عبارة عن كذا مثلا فلا يبقى مورد لنفى أمثال ما ذكر و يوضح ما ذكرنا أن القرائن ليست مما ينشأ به المقصود و كذا المركّب من القرينة و ذي القرينة و انما يتوجّه القصد إلى الإنشاء بذي القرينة و هي انّما يجاء بها لتصير كاشفة عن المراد بذلك اللفظ الّذي يقع به الإنشاء و (حينئذ) فلا يبقى مجال للفرق بين المجاز الّذي قرينته لفظية و بين المجاز الذي (صح) علم قطعا ان المراد به المعنى المجازي بواسطة قرينة عقلية قطعية فلم لا يصحّ الإنشاء به و يصح الإنشاء بما قرينته لفظ حقيقي و الحال ان بناء أهل التعارف قد استقر على الاكتفاء في مخاطباتهم بأدون من القرائن الحالية المفيدة للوثوق و الاطمئنان بالمقاصد المرادة بالألفاظ ثمّ ان ذلك البعض أيد ما ذكره بأنهم اتفقوا على ان لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم و معلوم ان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد و لم يعتبروا وجود القرينة اللّفظية الحقيقية مع كونه مجاز و رابعا انه جعل المشترك اللّفظي و المعنوي مثل المجازات في عدم جواز الاكتفاء بها مقرونة بالقرائن الحالية فقال و ممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي اتكالا على القرينة الحالية المعينة و كذا المشترك المعنوي انتهى و قد اعترف هو (رحمه الله) عند البحث عن لفظ بعت بخصوصه بأنه و ان كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع و الشراء لكن كثرة استعماله في البيع تعينه انتهى مع ان من المعلوم ان كثرة الاستعمال و اشتهار اللّفظ في معنى من قبيل الأمور المعنوية دون الألفاظ الحقيقية و خامسا ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا (يخلو) حاله عنده (رحمه الله) من الإجمال و البيان فان كان ممّن يقول بالأول
ألزمه الاقتصار على ما وقع عليه الاتفاق مثل لفظ بعت في البيع لان من النّاس من ادعى ان ألفاظ العقود و أسبابها توقيفية تعبدية و لا تدور مدار الكشف عن مقصود العاقد و مكنون ضميره كما حكاه (رحمه الله) عن الفخر و لك و كنز العرفان فيلزمه الاقتصار على القدر المتيقن المتفق على صحّته عند الجميع و هو اللّفظ المعلوم وصوله من (الشارع) و لا يجوز له التعدي (حينئذ) إلى التعميم بالنسبة إلى المجاز و المشترك اللفظي و المعنوي المقترنة بقرائن لفظية حقيقية لأن ما عدا المتلقى من (الشارع) منها مختلف فيه غير متفق على جواز العقد به فيجب الاقتصار على المتيقن الذي هو المتلقى من (الشارع) و ان كان ممن يقول بالثاني لزمه البناء على جواز كل ما صدق عليه العقد و لا يبقى وجه للاقتصار على خصوص الحقيقة أو ما كان قرينته حقيقة حتى انّه لو صدق العقد بدون اللفظ لزم الحكم بلزومه كما يراه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ثمّ ان ذلك البعض حكى عن (المصنف) (رحمه الله) انه كان يرى ما يراه المحقق المذكور و ان هذه الكلمات انّما هي على سبيل التنزل عما هو المركوز في ذهنه ثم انه قال في تحقيق المقام و بيان مبنى المسئلة انا قد استفدنا من الأصحاب انهم لا يلتزمون بالتوقيفية و التعبّدية في ألفاظ العقود بحيث يلزم فيها التعبّد بما وصل من (الشارع) كالفاتحة في الصّلوة من دون نظر الى جهة الكشف عن مكنون ضمير العاقد و الإفصاح عن مقصوده كما يدل عليه عدم اقتصارهم على لفظ خاص بان يقولوا ان المعتبر انّما هو لفظ بعت و انهم تعرضوا الإعطاء قاعدة كلية و هي انه يعتبر ان يكون اللّفظ صريحا أو يكون حقيقة و لازم التوقيف انما هو الأوّل فإن الثاني مناف له و (حينئذ) نقول ان المسئلة منوطة بأن قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هل هو مجمل أم مبين فعلى الأوّل يجب الاقتصار على المتيقن المتّفق عليه و على الثاني يلزم السراية بمقدار سراية مفاده و مؤداه و قد وقع فيه الخلاف و سيجيء تفصيل القول فيه و اختار هو على تقدير كون الاية مبينة بعد إبطال القول بالتوقيف كما عرفت ان المعتبر في العقود انّما هو الظّهور العرفي المعتدّ به في محاوراتهم و مخاطباتهم فيشمل الحقيقة المختصة و المشترك المعنوي و اللفظي المقترنين بالقرينة المعتد بها المفيدة لإيضاح ما قصد باللّفظ و المجازات المقرونة بالقرينة الموصوفة لكن بشرط ان لا تكون بعيدة من دون فرق بين ان تكون قرائنها لفظية أو غيرها من القرائن العقلية أو المقاميّة و صرح بخروج البعيدة و عدم العبرة بها في العقود فلا يجوز استعمالها فيها اما اعتبار غير المجازات البعيدة من جميع ما ذكر (صح) فلانه بعد بطلان القول بالتّوقيف في ألفاظ العقود