غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣٤ - و من شرائط المتعاقدين الاختيار
و معاقد الإجماعات و الشهرات المدعات في حكم المكره على صورة العجز عن التورية لجهل أو دهشة بعيد جدا بل غير صحيح في بعضها من جهة المورد كما لا يخفى على من راجعها
قال في الجواهر و لا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكره عدم التمكن من التورية بأن ينوي غير زوجته أو إطلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط و نحو ذلك و ان كان يحسنها و لم تحصل له الدهشة عنها فضلا عن الجاهل بها و المدهوش عنها لصدق الإكراه خلافا لبعض العامة فأوجبها للقادر انتهى و في كشف اللثام و لو ترك التورية بأن يقصد بقوله أنت طالق اى من وثاقي أو يعلقه بشرط في نيته أو بالمشية أو يقصد به الاخبار مع علمه بالتورية و اعترافه بأنه لم يدهش بالإكراه ليترك له التورية لم يقع (أيضا) لتحقق الإكراه و انتفاء القصد الى الطلاق انتهى و اما ما ذكروه من انه إذا أنكر متاعه عند العشار يلزمه التورية فإن ذلك من جهة التخلّص من الكذب و ليس هنا كذب فافهم ثم ان ما افاده من بعد حمل النصوص و غيرها على صورة العجز عن التورية مما لا ريب فيه و اما ما افاده من ان حمل بعض النصوص على صورة العجز عن التورية غير صحيح من جهة المورد فإنه لم يظهر لنا وجهه من الاخبار التي عثرنا عليها في باب طلاق المكره و عتقه فالأخبار الواردة في طلاق المكره رواية زرارة و رواية عبد اللّه بن سنان و رواية يحيى بن عبد اللّه التي تقدم ذكرها في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) مضافا الى الاخبار الواردة في طلاق المكره و ما رواه إسماعيل الجعفي في حديث انه قال لأبي جعفر (عليه السلام) أمر بالعشار فيحلفني بالطلاق و العتاق قال احلف له و رواية السّكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كل طلاق حائز إلا طلاق (صح) المعتوه أو الصّبي أو البرسام داء معروف و في بعض كتب الطب انه ورم حاد يعرض للحجاب الذي بين الكبد و المعاء ثم تصير بالدّماغ مصباح المنير مبرسم أو مجنون أو مكره و قد سمعت رواية يونس فيمن طلق مداراة بأهله و اما ما ورد في عتق المكره فالذي عثرنا عليه منها ثلاثة رواية زرارة السّابقة و رواية أخرى عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن عتق المكره فقال ليس عتقه بعتق و رواية أخرى مطابقة لها بحسب المتن و هذه الاخبار بين ما ليس له مورد و بين ماله مورد لا يأبى عن حمل الخبر على صورة العجز عن التورية و لو من جهة جهل المكره بالفتح بها حكما أو من جهة عدم الالتفات إليها موضوعا و من المعلوم غلبة الجهل بالتورية بين الناس موضوعا و حكما بل لا يعلم بها الا الخواص و من المعلوم (أيضا) بالضرورة تحقق العجز عن التورية بالجهل بها بل لا عجز أعظم من ذلك نعم قد عرفت بعد حمل الأخبار المذكورة على صورة العجز عنها
قوله و ربما يستظهر من بعض الاخبار عدم اعتبار العجز عن التفصي بوجه أخر غير التورية (أيضا) في صدق الإكراه مثل رواية ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا يمين في قطيعة رحم
(انتهى) الظاهر ان منشأ الاستظهار هو قوله (عليه السلام) في ذيل الحديث و يكون الإكراه من الزوجة و الام و الأب نظرا الى ان التفصي من هؤلاء بغير التورية أمر ممكن من جهة الرأفة أو انتفاء كمال السّلطنة
قوله و ما ذكرناه و ان كان جار في التورية الا ان الشارع رخص في ترك التورية بعد عدم إمكان التفصي بوجه أخر
فيؤل الكلام الى ان جريان حكم الإكراه مع القدرة على التورية و عدم القدرة على غيرها من وجوه التفصي تعبدي و معلوم انه على هذا التقدير يكون الفرق بين إمكان التفصي بالتورية و إمكانه بغيرها بحسب الحكم و لهذا قال بعد إنهاء ذيل الكلام ان الاولى ان يفرق بين إمكان التفصي بالتورية و إمكانه بغيرها بتحقق الموضوع يعنى موضوع الإكراه في الأوّل دون الثاني
قوله و هذا المعنى يصدق مع إمكان التورية و لا يصدق مع التمكن من التفصي بغيرها
المناسب للفقرات و الاجزاء اللاحقة في العبارة هو ان يكون هذا المعنى عبارة عن الإكراه المعتبر فيه انه مع اعتقاد الآمر مع تخلف المأمور و امتناعه يرتب عليه المتوعد به فإنه الذي يصدق مع إمكان التورية و لا يصدق مع التفصي بغيرها و يناسبه سائر ما ذكره في ذيل الكلام
قوله ثم ان ما ذكرنا من اعتبار العجز عن التفصي انما هو في الإكراه المسوغ للمحرمات و مناطه توقف دفع ضرر المكره على ارتكاب المكره عليه و امّا الإكراه الرافع لأثر المعاملات فالظاهر ان المناط فيه عدم طيب النفس بالمعاملة
(انتهى) أراد بهذا الكلام التفرقة بين الإكراه المسوغ للمحرمات كشرب الخمر و إفطار الصّوم و الولاية من قبل الجائر و غير ذلك و بين الإكراه الموجب لفساد المعاملة بأنه يعتبر في الأوّل العجز عن التفصي و يكفى ما دون ذلك في الثاني من جهة ان المناط في صحة المعاملة انما هو طيب النفس فكل ما أوجب ارتفاعه أوجب فساد المعاملة من جهة انتفاء شرطها و اما حدود اللّه فلا مسوغ للتعدي عنها الا عند الاضطرار و قد سبقه الى هذه التفرقة صاحب المقابيس (رحمه الله) و هذه هي الحق الذي لا محيص عنه و ان كان مخالفا لما يظهر من الشيخ (رحمه الله) في كتاب الطلاق حيث قال و اما بيان الإكراه فجملته ان الإكراه يفتقر الى ثلاثة شرائط أحدها ان يكون المكره قاهرا غالبا مقتدرا على المكره مثل سلطان أو لص أو متغلب و الثاني ان يغلب على ظن المكره انّه ان امتنع من المراد منه وقع به ما هو متوعد به و الثالث ان يكون الوعيد بما يستضر به في خاصة نفسه فان ظاهر الشّرط الأول كون المكره عاجزا عن التفصي و ذكره في تفسير الإكراه المأخوذ انتفاؤه في صحة الطلاق يعطي ان المناط في الإكراه على الطلاق ذلك و لا فرق بينه و بين العقود و سائر الإيقاعات فتأمل
قوله و قد ينعكس كما لو قال بع مالي أو طلق زوجتي و الا قتلتك و الأقوى هنا الصّحة لأن العقد هنا من حيث انه عقد لا يعتبر فيه سوى القصد الموجود في المالك المكره إذا كان عاقد أو الرضا المعتبر من المالك موجود بالفرض فهذا اولى من المالك المكره على العقد إذا رضي لاحقا
محصّل العبارة هو انه ان كان المالك راضيا و كذا الطرف الأخر فيما يحتاج إليه بأن كان الواقع شيئا من العقود و كان الوكيل غير راض بل كان مكرها على إيقاع الصّيغة سواء كان إكراهه من المالك أو من الطرف الأخر أو من أجنبي فالأقوى عند (المصنف) (رحمه الله) صحة العقد ابتداء من دون حاجة الى تعقب رضا المكره إذ لا مانع من صحة العقد سوى الإكراه على إيقاعه و الإكراه إنما يرفع حكما ثابتا على المكره لولا الإكراه و لأثر للعقد هنا بالنسبة إلى المتكلم به لولا الإكراه و استوجه صاحب الجواهر (رحمه الله) البطلان من رأس بعد ذكره احتمال الصّحة قال (رحمه الله) و لو كان الإكراه من المالك للأجنبي على نفس الصيغة احتمل الصّحة من غير حاجة الى تعقب رضاه بل أقصاه الالتزام بالأجرة و الوجه البطلان لرفع ما اكره و منه رفع قابليتها للتأثير و الا لبقي حكمها بل الظاهر عدم العبرة برضاه بعد ذلك و ان قلنا بالاكتفاء به في المكره على بيع ماله ضرورة وقوع الصيغة فاسدة فلا يجدى الرضا المتعقب و كذا لو كان المكره غير المالك و بذلك يفرق بينه و بين الفضولي الذي لم يكرهه أحد على إيقاع الصّيغة فتأمل جيّدا فإنه ربما ظهر من بعض مشايخنا اتحاد حكم المكره من غير فرق بين الفضولي و غيره و اللّه اعلم انتهى و يظهر ما فيه مما تقدم و قد تعرض لدليله و رده (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب و توقف في صحته الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) و حكى عن شرح القواعد