غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣٥ - و من شرائط المتعاقدين الاختيار
ان مقتضاه انه لو كان الإكراه من المالك للأجنبي على نفس الصّيغة لم ينفذ حتى يرضى بعد الاختيار من العاقد ثمّ ان الحاكي أورد عليه بأنه لا مدخل لاختيار العاقد المكره على إيقاع مجرد اللفظ مع وجود رضا المالك و انه لا وجه لتعميم الإكراه بالنسبة إلى الوكيل لانه خارج عن عنواناتهم كما يشهد بذلك ملاحظة عبارة القواعد و غيرها فما ذكروه من ان رضا المكره يوجب صحة العقد الذي أوقعه في حال إكراهه ناظر الى غير الوكيل فلا يجرى فيه ما ذكروه أصلا و (حينئذ) فالوجه ما اختاره (المصنف) (رحمه الله) من الحكم بالصّحة من أوّل الأمر أو ما اختاره صاحب الجواهر (رحمه الله) من الحكم بالبطلان من رأس أو ما صار اليه الشهيد الثاني (رحمه الله) من التوقف هذا و عندي ان عبارة شرح القواعد غير مسوقة لبيان حال مثل الوكيل الذي فرضه و هو الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة فلا يستفاد منها حكمه و انما هي ناظرة إلى بيان حكم الوكيل في التصرف الذي من جملته إيقاع الصّيغة
قوله نعم ربما يستشكل هنا في الحكم المذكور بان القصد الى المعنى و لو على وجه الإكراه شرط في الاعتناء بعبارة العقد و لا يعرف الا من قبيل العاقد فإذا كان مختارا أمكن إحرازه بأصالة القصد في أفعال العقلاء الاختيارية دون المكره عليها اللّهم الّا ان يقال ان الكلام بعد إحراز القصد و عدم تكلم العاقد لاغيا أو موريا و لو كان مكرها مع انه يمكن إجراء أصالة القصد هنا (أيضا) فتأمل
قد عرفت ان الإكراه يقع على وجهين أحدهما ان لا يقصد المكره الى المعنى أصلا كما قد يتفق ذلك قصعا في مقام الخوف من المكره و الغفلة و نحوهما و هذا هو الذي لا يفيده الرضا اللاحق أثر الصّحة و ثانيهما ان يقصد الى المعنى لكن لا يطيب بذلك نفسه و هذا هو الذي يفيده الرضا اللاحق الاتصاف بالصّحة فإن علم صدور العقد من المكره بشيء من الوجهين لم يكن إشكال في ترتب حكمه عليه و انّما يقع الاشكال فيما لو وقع منه عقد على وجه الإكراه ثم انه رضى به و أمضاه في حال الاختيار و لم نعلم انه قصد المعنى حتى يكسوه الرّضا اللاحق لباس الصحة أم لم يقصد المعنى حتى لا يصير قابلا لتأثير الرّضا بلحوقه و مثله الاشكال فيما لو وقع منه العقد مكرها و علمنا انه قصد منه معنى لكن لم نعلم انه أراد منه معنى مجازيا على سبيل التورية و خلاف الظاهر أم أراد المعنى الحقيقي الذي هو الظاهر من اللفظ و يرتفع هذا الإشكال بالبناء على الظاهر بحكم أصالة الحقيقة المتفق عليها في تشخيص المراد من اللفظ بعد تميز المعنى الحقيقي من المجازي و يبقى الإشكال الأول و هو ما لو لم يعلم منه أصل قصد المعنى و وقع الشك فيه فنقول قد جعل بعض المعاصرين حمل كلامه على كونه صادرا عن قصد على نحو كلام المختار و استند في ذلك الى حمل فعله على الصحّة و أنت خبير بما فيه لأنه ان أراد بذلك قاعدة حمل فعل المسلم على الصّحيح المستفادة من مثل قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه فلا يخفى سقوطه لان تلك القاعدة مختصة بالمسلم فلا تجري إذا كان العاقد المكره كافرا و ان أراد بذلك قاعدة الصحة المعمولة في العقود حيث قالوا انه إذا اتفق المتعاقد ان على وقوعه و اختلفا في وقوعه على وجه الصحة و الفساد قدم قول مدعى الصّحة فسقوطه (أيضا) واضح لان مدرك تلك القاعدة انّما هو الإجماع و مورده انما هي العقود المذكورة و لا مساس له بما نحن فيه و لعلّه لذلك لم يستند (المصنف) (رحمه الله) الى أصالة الصحة بل جعل وجه الصّحة هو أصالة القصد و لكنه (رحمه الله) أشار الى المناقشة في التمسّك بها من جهة ان أصالة القصد انما تعتبر في الأفعال الاختيارية الصادرة من العقلاء و ما نحن فيه خارج عن العنوان لكون الفعل مما قد اكره عليه ثم استدرك ذلك بان يقال ان الكلام انّما هو بعد إحراز القصد و عدم تكلم العاقد لاغيا أو موريا و لكن لا يخفى عليك بطلان هذا المقال لعدم انحصار الكلام فيما بعد إحراز القصد بل الكلام انّما هو فيما لو لم يعلم صدور الكلام عن قصد و عدمه و سياق كلام (المصنف) (رحمه الله) يعطى انه لم يصدر منه (رحمه الله) عن ثقة به ثمّ انه (رحمه الله) ذكر وجها أخر و هو انه يمكن إجراء أصالة القصد هنا (أيضا) بأن (يقال) ان موارد أصالة القصد في أفعال العقلاء لا يختص بالأفعال الاختيارية فتجري في أفعال المكره (أيضا) إذا شك في تحقق القصد إليها و عدمه و أورد عليه بعض من تأخر بأن مدرك اعتبار أصالة القصد انّما هو الإجماع و بناء العقلاء و هما انّما قاما باعتبار الأصل المذكور في أفعال العاقل المختار دون أفعال المكره إذا شك في صدورها عن قصد فلا دليل على اعتباره في أفعاله قلت لعلّ (المصنف) (رحمه الله) قد أشار الى هذا الوجه بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام ثم ان ذلك البعض ادعى ان إطلاق كلام الأصحاب صحة العقد الذي وقع من المكره بالرضا به بعد ذلك يعطي صحة عقد المكره الذي لم يعلم حاله من جهة صدور مجرد اللفظ أو صدور العقد منه قاصدا الى مدلول الكلام و ان كان لم يطب نفسه بذلك و يرد عليه ان المكره لا (يخلو) في الواقع عن أحد الوصفين القصد الى مدلول اللفظ و عدم القصد إليه أصلا و مجهول الحال عندنا لا (يخلو) حاله في الواقع عن أمد الوجهين و من المعلوم كما قررناه ان عقد قاصد المعنى قابل للصّحة بتعقب الرّضا و ان عقد من لم يقصد المعنى غير قابل للصّحة بتعقب الرّضا فكيف يصحّ التّمسك بإطلاق عباراتهم و نفس الحكم بصحة العقد عند تعقب الرضا قرينة على كون مرادهم بالعقد الواقع من المكره ما هو قابل لذلك و مجهول الحال المندرج في أحد القسمين في الواقع غير قابل للحكم عليه (مطلقا) بالصّحة عند تعقب الرّضا لاحتمال كونه في الواقع من ذلك القسم الأخير الغير القابل للانصاف بالصحة كيف لا و لو
كان الأمر كما ذكره ذلك البعض فلم لا يقول بشمول إطلاق كلامهم لصورة العلم بالخلو عن قصد المعنى (أيضا) فلا يبقى الا ان يكون المراد بعقد المكره المحكوم عليه بالصحة عند تعقب الرّضا هو العقد المقصود به مفهوم اللفظ دون ما لم يقصد به المعنى و يبقى المردد بين الأمرين موقوفا على قيام أمارة معتبرة يتبع مؤداها في الحكم بكونه من أحد القسمين بخصوصه فان حصلت فذاك و الا كان اللازم التوقف و الرجوع الى الأصول في مقام العمل كأصالة عدم انتقال كل من المالين عن مالكه الى الأخر لكن يمكن دفعه بان رضا المكره لما كان على وجهين صحيح يترتب عليه الأثر و فاسد لا يترتب عليه الأثر و الأول ما كان مسبوقا بالقصد الى مدلول اللّفظ و الثاني ما لم يمكن مسبوقا به و انّما كان مسبوقا بمجرد ذكر اللفظ فإذا قال المكره بعد زوال إكراهه رضيت بالبيع أو بمضمون العقد الذي أوقعته في حال الإكراه أو قال رضيت بان يصير المال الذي كنت مكرها على بيعه لزيد مثلا و نحو ذلك فمقتضى القاعدة حمله على الصّحيح كما انه لو قال بعت و نحوه من ألفاظ العقود أو الإقرار بها لزم الحمل على الصّحيح و مقتضى حمله على الصّحيح هو ان يصير مسبوقا بوجود شرطه الذي هو القصد الى مدلول لفظ الصّيغة في حال إيقاعها فحمل الرضا الصادر منه في حال الاختيار على الصّحيح يكفي في إثبات كونه في حال الإكراه قاصدا الى معنى اللفظ و الا وقع منه الرّضا لغوا لا يترتب عليه اثر بل مخالفا للمشروع من حيث انه يريد بإظهاره للرّضا ترتيب الأثر عليه و هو انتقال المال منه الى غيره و ارادة ذلك من دون تحقق السبب الشرعي للنقل مخالفة للمشروع و على هذا فقولهم ان المكره يصحّ عقده بلحوق الرّضا منه و ان كان قرينة على خروج ما علم انه لم يقصد فيه المعنى من جهة عدم قابليته للحوق الرّضا و عدم أهلية اللفظ المجرد للتأثير و افادة النقل و لو بعد الرضا لكن يبقى تحت اطلاقه ما كان قابلا للصحة بواسطة