غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٦ - في تعريف البيع و حقيقته
انتقال العين (انتهى) و رده الشّهيد (رحمه الله) في بعض تحقيقاته إلى الأول نظرا الى ان الصّيغة المخصوصة سبب في الانتقال فأطلق اسم المسبّب على السّبب و عرّف المغيى بالغاية و فيه نظر لأنّ الإطلاق المذكور مجازي يجب الاحتراز عنه في التّعريفات الكاشفة للمهية الا مع قيام قرينة واضحة و هو منتف و امّا التّعريف بالغاية بهذا المعنى فغير جائز لأن حملها على المغيّا حمل المواطاة أعني حمل هو هو و الغاية ممّا لا يصحّ حملها عليه (كذلك) و انما يدخل الغاية في التّعريفات على معنى أخذ لفظ يمكن حمله على المعرف مشير إلى الغاية و غيرها من العلل الّتي لا يصحّ عليه حمل المواطاة و هو هنا منتف انتهى أقول يرد على الشّهيد (رحمه الله) مضافا الى ما أورده عليه ثاني الشّهيدين (قدس سرّه) ان اللازم أحد الأمرين من إطلاق اسم المسبّب على السّبب و تعريف المغيّا بالغاية لأنه إذا أطلق اسم المسبّب على السّبب صار اللفظ مجاز أريد به خلاف معناه الموضوع له و التعريف انّما هو لذلك المعنى المجازي فلا يكون التّعريف الّا له و (حينئذ) يكون التّعريف بما يساويه الا ان تكون النسخة مغلطة و يكون عطف تعريف المغيّا بأو دون الواو أو يتكلف بان الواو بمعنى أو و يرد على ثاني الشّهيدين (قدس سرّه) ان المجاز هنا انّما هو في المعروف دون التعريف فلا ينطبق عليه قوله يجب الاحتراز عنه في التعريفات الكاشفة للمهية (انتهى) و يرد على (المصنف) (قدس سرّه) ان ما ذكر و بقوله و (الظاهر) ان المسبّب هو الأثر الحاصل إلى أخر ما افاده بما حاصله ان المسبّب هو النقل بمعنى اسم المصدر توجيه بما لا يرضى به صاحبه لانّه قد وقع التصريح في كلام الشّهيد (رحمه الله) بأنّ الأثر هو الانتقال و كلام ثاني الشّهيدين ايضا مبنى على ذلك و (المصنف) (رحمه الله) استظهر أن الأثر الحاصل من العقد انّما هو النّقل الّذي هو اسم المصدر و يمكن دفعه بان قوله (رحمه الله) ذلك مسوق للإيراد و دفع ما وقع في كلام الشّهيدين من كون الأثر عبارة عن الانتقال لكن يأبى عنه قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب لانه كان اللازم على ما ذكر في الدّفع ان يقول بدله لا الانتقال لانه لم يوضع له لفظه و يمكن التّوجيه بان قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب إشارة إلى دفع التوهّم المحتمل في المقام لا الى دفع شيء مذكور في كلامهما و اكتفى في دفع ما ذكر في كلامهما بإثبات أن المسبّب انّما هو الأثر الّذي هو اسم المصدر فتأمّل ثمّ انه يظهر من عبارة المصباح التي ذكرناها في صدر المبحث وجه أخر و هو ان السّبب عبارة عن الإيجاب و القبول و المسبّب عبارة عن مدلوليهما لانه قال لكنه أطلق على العقد مجازا لانه سبب التمليك و التملّك و يمكن ان يتكلّف بإرجاعه الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بان (يقال) انه أراد بالتّمليك و التّملك ذلك النقل المعبّر عنه باسم المصدر فضاق عليه المجال في التعبير فعبّر بما ترى هذا و اعلم انه قال بعض من تأخر ان هذا يعنى اعتبار علاقة السّببيّة و المسبّبية انما يتم على القول بكون البيع حقيقة في المعاملة القائمة بالطرفين الّتي هي معنى الإيجاب و القبول أو القول بكونه اسما للصّحيح دون الأعمّ امّا على الأوّل فسببية العقد له معلوم لانّه مدلول و المدلول مسبّب عن الدّال في مقام الافهام و امّا على الثاني فلانّ البيع إذا كان معناه النقل الصّحيح كان ذلك المعنى في الحقيقة مقيّدا بالقبول لان ذلك مما لا يتم الصحّة إلا به ضرورة انها عبارة عن ترتب الأثر و لا يعقل تحققه الا بانضمام القبول و سببية العقد لمثل هذا النقل واضحة و امّا على التحقيق من كون البيع موضوعا لمجرد النقل فلا يتم ما ذكر لان العقد ليس سببا له لحصوله قبل تماما بنفس الإيجاب و انّما هو سبب للأثر الحاصل و هو انتقال العين و من البين أن العلاقة من السّببيّة و غيرها انما يلاحظ بين المعنى المجازي المقصود و بين المعنى الحقيقي دون معنى مجازي أخر فإذا لم يكن العقد سببا للمعنى الحقيقي للفظ البيع و هو النقل فكيف يصحّ استعمال لفظه فيه و أنت خبير بضعف ما أنكره من المبنى لان ثبوت كون البيع موضوعا لمجرّد النّقل لا ينفى وضعه لمعنى أخر و هو النّقل الّذي هو اسم المصدر و قد أثبته (المصنف) (رحمه الله) مضافا الى النقل الّذي هو معنى الإيجاب حيث قال و الحاصل ان البيع الّذي يجعلونه من العقود يراد به النّقل بمعنى اسم المصدر بعد ما ذكر ان جميع ما
ورد في النّصوص و الفتاوى ناظر الى ذلك و الإنصاف ان المتبادر من لفظ البيع هو ما أثبته (رحمه الله) فتدبّر
قوله و ظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي
(انتهى) قال بعض من تأخر بعد ما ذكر كلام الشّهيدين (قدس سرّهما) انهما ان أراد ان (الشارع) نقلها عن المعنى اللّغوي إلى معانيها الصحيحة فصارت حقائق شرعيّة فيها فهو في غاية البعد و مع ذلك يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق مثل قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و غيره من إطلاقات العقود الواردة و الكتاب و السنة عند الشكّ في اعتبار شيء فيها مع ان سيرة علماء الإسلام قد استقرت على التمسّك بها و ان أراد أنها حقائق في الصّحيحة عند أهل العرف (فحينئذ) يستكشف بما هو صحيح عندهم عمّا هو صحيح في الواقع عند (الشارع) الا فيما نبه (الشارع) على خطائهم و كون الصّحيح عنده غير ما هو صحيح عندهم و لا يكون هذا الا فيما وجد دليل يدل عليه فيصحّ التمسّك بالإطلاقات الواردة في الكتاب و السنة في إثبات صحّة ما شك في اشتراط شيء فيه لورودها على طبق المتعارف ففيه أولا ان الطريقة الّتي استقر عليها بناء أهل العرف انما تعتبر في المفاهيم الكليّة دون تمييز المصاديق التي يبنى عليه التمسّك بالإطلاقات على هذا التقدير و ثانيا انه لو كان معنى البيع هو الصّحيح و لو في أنظارهم لحصل الانتقال بمجرّد الإيجاب و لم تكن حاجة الى القبول و هو واضح الفساد و أقول يمكن المناقشة فيما ذكره من الوجهين امّا الأوّل فلان أنظار أهل العرف و ان لم تكن معتبرة في تمييز المصاديق و الموارد في غير المقام الا انّه يمكن ان (يقال) ان هذا المقام لا يقاس بغيره من المقامات ضرورة ان البيع و نحوه من العقود انما هي من قبيل ما كان متقررا بين النّاس ثابتا عندهم و قد أمضاها (الشارع) غاية ما في الباب انه زاد على ما كان متقررا عندهم شروطا و معلوم انّ اللّازم (حينئذ) اتباع ما علم منه من الشرائط الثابتة و ترك ما لم يثبت فيؤخذ بما عندهم و وجه الاخذه علمنا بان (الشارع) قد أمضاه و امّا الثاني فلانّ الواقع في عبارة الشّهيدين (قدس سرّهما) انما هو لفظ العقد و العقود و ان الإقرار في كلام الشّهيد الثاني عبارة عن الاخبار عن إيقاع عقد البيع و على هذا فلا مساس لحصول الانتقال بمجرّد الإيجاب بذلك
قوله فتأمّل فإن للكلام محلّا أخر
(الظاهر) ان الأمر بالتّأمّل إشارة الى ان كلام الشّهيدين ناظر الى ما هو المتداول الآن فيما بين المتشرعين خصوصا كلام الشّهيد الثاني و ما هي حقيقة فيه في عرف هذا الزّمان