غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٦ - مسئلة الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب على القبول
أشبه في العبارة إلا لغوا فالحاصل ان استناد عدم انعقاد العقد بالقبول المتقدّم و الإيجاب المؤخر الى ما ذكره من الوجه انما يتم لو قيل بوقوع القبول في صورة تأخيره بغير الماضي كالأمر و نحوه و الا فلا وجه له هذا و لا يخفى عليك انه يمكن دفعه بان هذا الإيراد انما كان يتجه لو كان مذهب (المصنف) (رحمه الله) عدم جواز إيقاع العقد بغير الماضي و قد عرفت في المسئلة السّابقة انه قوىّ قول القاضي الّذي عبر عنه عند نقله بعدم اعتبار الماضوية فيشمل إيقاعه بالمستقبل و بالأمر و لا مانع من إنشاء القبول بالأمر لوقوعه عرفا في مقام القبول مؤخّرا ألا ترى ان من قيل له أعطيتك هذا الشيء منشأ به الإعطاء يقول أعطني مريدا به القبول من باب ذكر اللازم و ارادة الملزوم من حيث ان الطلب لا يكون الا عن رضا و حبّ لما يأمر به نذكر الأمر في أمثال هذا المقام يراد به إظهار الرضا الذي هو الملزوم دون معناه الأصلي الذي هو الطلب على سبيل الحتم و اللّزوم فإذا قدم صار معناه هو الرّضا بما يوجبه صاحبه في المستقبل و لهذا قال (رحمه الله) في تعليل ما ذكره في المتن لأن غاية الأمر دلالة طلب المعاوضة على الرّضا بها لكن لم يتحقق بمجرّد الرّضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدّرهم إلى البائع كما لا يخفى انتهى و هما؟؟؟ إذا أخر صار معناه إنشاء الرّضا في الحال بما أوجبه الموجب و نقل الدّرهم إلى البائع الّذي هو لازم قبول المبيع بالعوض و ممّا يشهد بما ذكرنا انّه سيصرح (المصنف) (رحمه الله) بانا لو قلنا بكفاية التقديم بلفظ قبلت يمكن المنع هنا يعني صيغة الأمر بناء على اعتبار الماضويّة فيما دلّ على القبول و انه بناء على مختاره من كفاية (مطلقا) اللفظ العرفي في لزوم البيع ينعقد البيع بالاستيجاب و الإيجاب أيضا و قد أصاب بعض المعاصرين في الالتفات الى مذهب (المصنف) (رحمه الله) حيث قال (الظاهر) انه لا فرق عندهم بين الأمر و المضارع و الماضي بناء على عدم اشتراط الأخير في القبول و الا فلا يصح و ان تأخر كما مر لكن قد جزم بعضهم بالمنع من تقديم القبول بلفظ الأمر لأن غايته دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها لكن لم يتحقق بمجرّد الرّضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للثمن إلى البائع كما هو واضح كوضوح وهن دعوى الاتفاق على الصّحّة بمصير الأكثر إلى عدمها مع منع فحوى جوازه في النكاح مع تسليمه في نفسه و الا كما هو مقتضى قصور ما دل عليه فيه سندا و دلالة فالأمر أوضح من ذلك و فيه مع حكاية الاتفاق عليه فيه انّه لا ينكر دلالته على صدق القبول عرفا عليه فيه فيصدق عليه هنا ايضا و ان لم يتساويا في الحكم بالصحّة كما ان محلّ البحث كما اعترف به بعضهم ما لو أريد به إنشاء القبول على حد إنشائه باشتريت و الا فلا نزاع في عدم الصّحة لعدم تحقق القبول الذي هو الركن كما هو واضح كوضوح انه لا مجال لدعوى انّه غير صالح لذلك لعدم معروفية استعماله فيه لغة و لا شرعا و لا عرفا إذ محل البحث (أيضا) انما هو بعد فرض صحّة العقد بالأمر و الا فلا مجال للبحث فيه كما هو واضح كوضوح منع كونه كقبلت أو أولى منها بالمنع بناء على عدم جواز تقديمها (فتأمل) جيدا انتهى و امّا ما أورده عليه (قدس سرّه) من حكاية الاتّفاق على انعقاد عقد النّكاح بالأمر المتقدم و الإيجاب المتأخر فهو من عجائب الأمور لأن (المصنف) (رحمه الله) قد ذكر حكاية الاتفاق و قال انّه موهون بمصير الأكثر و عثر عليه المورد في كلامه و ذكره في طي نقل كلامه (رحمه الله) و مع ذلك قد اعترض بأنه حكى الاتفاق عليه و أعجب منه ما اعترض عليه ثانيا من انّه لا ينكر دلالة الاتفاق المحكي على صدق القبول عرفا على الأمر في النكاح فيصدق القبول على الأمر الواقع في عقد البيع ايضا لاندفاعه أولا بأنّ الأصل الممنوع كيف يتبع دلالته الّتي هي فرعه و ثانيا بأنّه ان أراد من العرف العرف العام على ما هو المتعارف من استعماله غير مقيد بشيء من القيود الخاصّة اتجه عليه انه لا اثر للصّدق العرفي مع علمنا بكون المصدق الذي هو الأمر فاقدا للمعنى المعتبر في القبول على الواقع و ليت شعري هل وقع في الكتاب و السنة انه يكفى في عقد البيع أو غيره القبول المنضم إلى الإيجاب حتى يرجع فيه الى العرف و يتمسّك بإطلاق اللفظ بحسب مدلوله العربي و ان أراد العرف الخاص اعنى عرف الفقهاء
اتجه عليه انه لا يجدى مجرّد صدق القبول في مصطلحهم مع تصريحهم باشتراط القبول بشرائط خاصّة و نزاعهم في ان هذا النّوع من القبول هل يترتب عليه الآثار المترتبة على القبول المعتبر حتى لو فرض انه وقع في الكتاب أو السنة انه يكفى القبول لعدم دوران خطاباتهما مدار عرف الفقهاء لما عرفت من ان المدار فيها على العرف العام نعم لو وقع عنوانا في معقد الإجماع المعتبر صحّ الرّجوع في تفسيره الى مصطلحهم و امّا ما أورده من ان محلّ البحث انّما هو ما لو أريد به إنشاء القبول على حدّ إنشائه باشتريت و الّا فلا نزاع في عدم الصحّة لعدم تحقق القبول الّذي هو الركن فهو الّذي ينبغي ان يبنى عليه عند الإنصاف لعدم قابليّة غيره لإثبات تحقق العقد به و الحكم عليه بالصحّة الا أن الشّأن في إثبات انه يجوز استعمال يعنى بمعنى اشتريت فان ذلك ممّا لا بدّ من اقامة الدّليل عليه و لعلّ (المصنف) (رحمه الله) ينكر ذلك و انه لكون عدم صحّة ذلك الاستعمال مسلما عنده لم يتعرض له و انما تعرض للمعنى الأخر الذي قد يستعمل اللفظ فيه و هو الرضا بل نقول ان مجرد الشّك في صحة مثل ذلك الاستعمال يكفيه لكون اللغات توقيفية و الأصل يساعده على النفي و المورد قد تفطن لحاصل ما قررناه بل ذكر ما يشعر باعترافه بعدم معروفية استعماله فيه لغة و لا شرعا و لا عرفا الا انه دفعه بان محل البحث انما هو بعد فرض صحّة العقد بالأمر و الا لم يبق مجال للبحث عن جواز تقديم القبول بلفظ الأمر بعد عدم صحة أصله و هو لا (يخلو) عن وجه و إذ قد عرفت ذلك كله نقول لتحرير محلّ الخلاف ان استعمال الأمر في مقام العقد قد يكون لمجرد الطلب من دون قصد معنى القبول به أصلا و هذا لا إشكال في عدم كفايته عن القبول و لا يحتمل في حق أحد من فقهائنا القول بصحّة العقد به إذا لحقه الإيجاب من دون اتباعه بالقبول المعتبر و قد يكون لمجرد الدلالة على الرّضا بالمأمور به من دون قصد الى الطلب من باب استعمال اللّفظ الموضوع للازم في الملزوم و هذا هو الّذي ذكر (المصنف) (رحمه الله) انه مثل قبلت فيكون رضى بما يوجبه صاحبه في المستقبل و لا يتحقق الرضا الفعلي بمعنى الرضا في الحال بالإيجاب الواقع الّذي ذكر انه ركن للعقد و هذا ايضا لا إشكال في عدم تحقق القبول به و عدم صحّة العقد بوقوعه و قد يكون مستعملا في معنى اشتريت من باب استعمال اللّفظ الموضوع للملزوم في اللّازم فان طلب البيع يلزمه الانتصاب في مقام قبوله و القيام بالاشتراء فاستعمل اللّفظ في إنشاء ذلك المعنى اللّازم و هذا هو الذي ينبغي ان يكون محلّا للنّزاع دون الأولين لوضوح عدم كفايتهما في تحقق العقد و (الظاهر) وقوع مثل ذلك الاستعمال غاية ما في الباب ان يكون مجازا فيخرج بذلك عن الصراحة و لكنه بانضمام القرينة اللفظية الحقيقية اليه على مذهب (المصنف) (رحمه الله) يصير صريحا و بانضمام مطلق القرينة الموضحة للمقصود و ان كانت من قبيل الأمور العقلية أو القرائن المقاميّة على المختار (كذلك) و لا يبعد ان يكون ذلك من المجازات القريبة فيصح استعماله على مذهب