غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٩ - الثالث في ضمان المنفعة المستوفاة من العين المقبوضة بالبيع الفاسد
للبائع ما ربح لا للمشتري و الحاصل ان الحدث ان كان لعدم الملك فان الربح لا يطيب كما إذا ربح في المغصوب و الامانة و لا فرق بين المتعين و غيره و ان كان لفاسد الملك طاب فيما لا يتعين لا فيما تعين ذكره الزبلعى في البيع الفاسد و قال الجلال السّيوطى خرج عن هذا الأصل مسئلة اخرى و هي ما لو أعتقت المرأة عبدا فإن ولاية يكون لابنها و لو جنى جناية خطأ فالعقل على عصبتها دونه و قد يجيء مثله في بعض الغصبات يعقل و لا يرث انتهى هذا تمام ما في الأشباه و النظائر و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى بيان معنى الحديث فنقول انه محتمل لوجوه أحدها ان المنفعة للضامن بمعنى ان من حكم عليه بضمان شيء شرعا و صار تلفه على عهدته كانت منافعه له (مطلقا) سواء كان ضمان ذلك الشيء بالتملك أم باستيلاء يده على مال الغير و سواء كان استيفاء المنفعة في حال التملك كالعبد الّذي اشتراه فاستقله ثمّ ردّه بالعيب السابق فان مقتضاه ان تكون الغلة للمشتري أم في غير حاله كما لو انتفع البائع بالمبيع الذي تلف قبل قبض المشترى فان منافعه التي استوفاها البائع منه تكون له لان ضمانه عليه بمعنى انه ينتقل اليه آنا ما عند التلف فيتلف من ماله و سيتضح لك الحال فيما نذكره من الوجوه الآتية (إن شاء الله) (تعالى) و على هذا الوجه من اكترى دابة مثلا الى مكان خاص فتجاوزه فإنه بتجاوزه يحكم عليه بأنّه ضامن لها شرعا فيصير منفعة المال للضامن بسبب ضمانه أو في مقابل ضمانه للعين على ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من معنى الباء و سيأتي في صحيحة أبي ولاد أن أبا حنيفة أفتى بذلك في كراية البغل الذي اكتراه فتجاوز به عن المكان المشروط فيما بينهما و قس على ذلك غيره كالغاصب للمال فان ما ذكرناه مثال لكن هذا المعنى و ان كان مقتضى ظاهر اللّفظ الا انه لا يتم الحكم به الا على فتوى من عرفت و انه عند أصحابنا منقوض بالغاصب و القابض للسّوم و نحوهما و كيف يستقيم الحكم به و لازمه ان كلّ من أراد ان يصير منافع شيء من أموال النّاس له تصرف فيه على وجه الغصب المستعقب للضمان فتصير المنافع له ثانيها ان يكون المراد بالضّمان الذي بإزائه المنفعة هو الضّمان اختيارا بمعنى التزام الشّيء على نفسه و تقبله مع إمضاء (الشارع) و هذا كالبيع الصّحيح فإنه لما التزم المشترى المبيع و تقبله على ان يكون له و انّه لو تلف لذهب من ماله و خرج من كيسه كان له منافع المبيع بإزاء ضمانه له و هذا هو الّذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) و أشار الى انّه ينتقض بالعارية المضمونة لأن المستعير قد أقدم على ضمانها و ليس له منافعها و هذا المعنى يخرج منه أمر ان أحدهما ما ليس فيه ضمان و التزام اختياريّ حتّى مثل المال الموروث فإنه ليس على حد المال المشترى في ان المشترى يلتزم به اختيارا بمعنى انه لو تلف لذهب من ماله و خرج من كيسه و ثانيهما ما لم يمضه (الشارع) و ان كان من قبيل ما التزم به اختيارا ثالثها ان يكون المراد بالضّمان هو الضّمان اختيارا لكن لا بقيد كونه مما أمضاه (الشارع) بل (مطلقا) فتكون المنافع بإزاء إقدامه على الالتزام به اختيارا و ان لم يمضه (الشارع) كما في البيع الفاسد و الصّحيح و هذا الوجه قد يعطيه صدر كلام (المصنف) (رحمه الله) كما ان سابقه يعطيه ذيله و على التقادير الثلاثة يمكن ان يكون المراد بكون الخراج للضمان هو كونه ملكا له و يمكن ان يكون المراد بذلك كونه لا يعزم بدله و لا يطالب به رابعها ان لا يكون المراد بالضّمان خصوص الالتزام اختيارا و لا الضّمان بمعنى لزوم الخروج عن عهدته بأداء مثله أو قيمته إذا تلف بل يكون المراد به هو كون تلف المال المضمون من مال الضّامن حقيقة و لو من جهة كشف التلف عن دخوله في ملكه آنا ما قبله على نحوما قيل في المعاطاة على القول بالإباحة و ان الفائدة غير مضمونة عليه بسبب ضمان أصل المال بمعنى ان ضمانه صار سببا لارتفاع ضمان الفائدة لكونها تابعة لأصل العين و على هذا فيكون مال معنى هذا الحديث الى انّ المنافع تابعة لأصل العين (صح) و لو كانت العين في حال الا الانتفاع ليست ملكا للضامن و قد انتفع بها قبل الانتقال اليه بالتلف آنا ما قبله فإذا اتفق انتقال العين اليه بالتلف آنا ما لم يكن مطالبا بالمنافع التي استوفاها قبله كما في
تلف المبيع قبل القبض فإنّه يتلف من مال البائع بالانتقال اليه آنا ما فإذا كان قد استوفى منافعه قبل تلفه فإنه لا يطالب إذا تلف قبل القبض لضمانه بالأصل الّذي تكون المنافع تابعة له و لا يطالب بها فيكون المراد بالضّمان هنا مثله في قولهم يضمن بصحيحه على قول من فسره بمجرّد كون التلف من ماله و على هذا الوجه يكون المراد بالضمان مطلق التلف من ماله سواء كان سببه اختياريا بان أقدم على الضمان كما في الشراء حيث ان المشترى يقدم على ضمان المال الّذي اشتراه أم كان سببه اضطراريّا كما في المال الّذي انتقل إليه بالإرث كما ان الانتقال أعم من ان يكون على وجه الدّوام أو آنا ما كما في تلف المبيع قبل القبض و هذا الوجه قد أشار إليه بعض المعاصرين و مال اليه بعض من تأخر مستشهدا على ذلك بقوله (عليه السلام) في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري الا ترى انها لو أحرقت كانت من مال المشترى خامسها ما وجدته في كلام الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) قال فصل في ان الخراج بالضمان إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه ان يبين للمشتري عيبه لا يكتمه أو يتبرّء اليه من العيوب و الأول أحوط فان لم يبيّنه و اشتراه انسان فوجد به عيبا كان المشترى بالخيار ان شاء رضى و ان شاء ردّه بالعيب و استرجع الثمن فان اختار فسخ البيع و ردّ المبيع نظر فان لم يكن حصل من جهة المبيع نماء ردّه و استرجع ثمنه و ان كان حصل نماء و فائدة فلا (يخلو) من ان يكون كسبا من جهته أو نتاجا و ثمرة فإن كان كسبا مثل ان يكتسب بعمله أو تجارته أو يوهب له شيء أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحنش فإنه يرد المعيب و لا يرد الكسب بلا خلاف لقوله (عليه السلام) الخراج بالضمان فالخراج اسم للغلّة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع و يقال للعبد الّذي ضرب عليه مقدار من الكسب في كلّ يوم أو في كل شهر عبد مخارج و قوله (عليه السلام) الخراج بالضّمان (صح) معناه ان الخراج لمن يكون المال يتلف من ملكه و لما كان المبيع و يتلف من ملك المشترى لأن الضمان انتقل اليه بالقبض كان الخراج له فامّا النتاج و الثمرة فإنهما أيضا للمشتري و ان حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبائع إذا أراد الرّد بالعيب لان ضمانه على البائع لظاهر الخبر انتهى و هو يغاير الوجه السابق في تخصيص مضمون الحديث بالبيع حيث قال فالخراج اسم للغلة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع و (الظاهر) ان مراده انه في هذا الحديث قد عبر به عن فائدة المبيع و الا فلا يساعد عليه كلمات أهل اللغة ففي المصباح ان الخراج و الخرج ما يحصل من غلة الأرض و لذلك أطلق على الجزية انتهى و عن بعضهم انه في الأصل اسم لغلة الأرض و ما يحصل من عمل العبد لغيره ثم صار اسما لما يأخذه السّلطان من الرّعية و كيف كان فلا يشمل تفسيره غير المبيع كالإرث و نحوه بل مقتضى الجمود على ظاهره هو انه لا يشمل سائر عقود المعاوضات ايضا كالصّلح و نحوه و قد صرّح العلامة (قدس سرّه) في البحث الثالث من الفصل الثالث من كتاب الغصب من (التذكرة) بأن الخبر