غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠٠ - الكلام في تعريف المثلي و القيمي
إذا المراد بالمثل لغة المماثل فإن أريد من جميع الجهات فغير منعكس و ان أريد من بعضها فغير مطرد و ليس في النصوص حكم يتعلق بهذا العنوان حتى يبحث عنه نعم وقع هذا العنوان في معقد إجماعهم على ان المثلي يضمن بالمثل و غيره بالقيمة و من المعلوم انه لا يجوز الانكال في تعيين معقد الإجماع على قول بعض المجمعين مع مخالفة الباقين و (حينئذ) فينبغي ان يقال كلّما كان مثليا باتفاق المجمعين فلا إشكال في ضمانه بالمثل
(انتهى) هذا الكلام مبنى على أمرين أحدهما ان (المصنف) (رحمه الله) بنى على ان الاختلاف في التعاريف معنوي لا في مجرد التعبير و راى ان مقتضياتها مختلفة فقد تجتمع في مورد و قد تفترق في مورد أخر و ثانيهما انه وجد جملة من الموارد قد وقع الخلاف فيها بخصوصها فمنهم من صرّح بكونها مثلية و منهم من صرّح بكونها قيمية فحيث راى هذين الأمرين حكم بان ما اتفق المجمعون على ضمان المثلي بمثله و ضمان القيمي بقيمته على كونه مثليا أو على كونه قيميّا يترتب عليه حكمه و ان ما اختلفوا فيه لا بد فيه من الرجوع الى الأصل و لذلك تصدى أولا لتوضيح الكلام في الأمرين المذكورين ثم تعرض لتأسيس الأصل (صح) حتى يرجع اليه عند الشك و قد سبقه الى نظير ذلك صاحب الرياض (رحمه الله) و ان كان مسلكه عند الشك هو الاحتياط بالرجوع الى الصّلح و التراضي عند إمكانه و ترجيح مختار الأكثر بالشهرة قال (رحمه الله) بعد ذكر جملة من تعريفات المثلي ما لفظه و لا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات عدا العرف و اللغة و هما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق و ترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما إذ هي فرع تعليق الحكم بلفظ المثل في دليل و ليس بموجود عدا قوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و فيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه فتأمل هذا مع انه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي و القيمة في القيمي عدا الإجماع و الاعتبار و ليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات فليرجع في خصوص الافراد الى ما اجمع على كونه مثليا أو قيميا و لا اشكال فيما ظهر فيه و يشكل الأمر فيما عداه و ينبغي الاحتياط في مثله بالرجوع الى الصّلح و التراضي إن أمكن و الا فلا يبعد ترجيح مختار الأكثر لرجحانه بالشهرة و لولاها لكان العمل بالتخيير بين الآراء متجها كما هو الحال في ترجيح الأقوال المختلفة التي لا مرجح لأحدها على الأخر من الأدلة هذا كلامه (رحمه الله) و يتجه على الأمر الأول ما عرفت من ان لفظ المثلي من جملة الألفاظ العرفية التي يلزم الرجوع في استفادة مفهومها الى العرف و لم يثبت لهم اصطلاح خاص فيه لما تقدم و المنساق و المتبادر منه ما عرفت من المساوي في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء و ان التعاريف ليست ناظرة الّا الى بيان معنى واحد هو المتبادر و ان الاختلاف في عبارات التعاريف انما نشأ من تعريفهم لذلك المعنى الواحد باللّازم و يشهد بما ذكرناه ما عرفت من ظهور عبارة (المسالك) في ذلك و انه لا وجه لجعل كل من أهل الصّناعة اصطلاحا برأسه خصوصا مع ما عرفت من ان منهم من عرفه بشيء من التعاريف في كتاب و بآخر في كتاب أخر فحصل من ذلك ان ليس المجمعون مختلفين في مفهومه و ان ما يظهر من التذكرة من كون الاختلاف بحسب المعنى فذلك انما هو بالنظر الى كلمات العامة دون أصحابنا الذين أخذوا لفظ المثلي في معقد إجماعهم و يتجه على الأمر الثاني ان ذلك من باب اختلاف المجمعين في اندراج بعض المصاديق تحت العنوان الذي أو خلف؟
في معقد إجماعهم مما هو من قبيل المبين مفهوما و ذلك لا يورث الخلاف في نفس العنوان الذي أجمعوا على حكمه فلا ضير في ذلك هذا و اما ما ذكره صاحب الرياض (رحمه الله) من ترجيح مختار الأكثر بالشهرة فلا يخفى ما فيه لأن الشهرة إنما تصلح مرجحة للخبرين المتعارضين لا الفتويين المجردتين عن الدليل حتى على القول باعتبار مطلق الظن لأنها (حينئذ) تصير بنفسها من قبيل الأدلة دون المراجحات الا ان يريد بمرجح أحد الأقوال ذلك بان يجعلها مستندا له فيبقى الأخر خاليا عن المدرك (الدليل) و يطلق عليه اسم المرجح بهذا الاعتبار
قوله فلا بد من ملاحظة ان الأصل الذي يرجع اليه عند الشك هو الضمان بالمثل أو بالقيمة أو تخيير المالك أو الضامن بين المثل و القيمة و لا يعبد ان يقال ان الأصل هو تخيير الضامن
(انتهى) هذا الكلام إشارة إلى تأسيس الأصل و توضيح المقام انه قد يقال انه إذا فرض أصل المسئلة من قبيل ما شك فيه من جهة ان المأمور به بعد وجوب دفع البدل هو ما ساوى المبدل منه في الأوصاف المعتبرة عند العقلاء في مقدار ماليته و قيمته و ساواه (أيضا) في الخواص و في رغبة الناس اليه و يعبر عن هذا بالمثل أو هو ما ساواه في مجرد مقدار المالية فيكون عبارة عن القيمة أو فرض الشك في بعض الافراد من حيث كونه مثليا أو قيميا مع العلم بكون بعضها قيميا و بعضها مثليا كان المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين الأقل و الأكثر لما عرفت من كيفية الشك و الدوران بين طرفيه فيكون المرجع هو أصل البراءة فيكتفى بالأقل و هو مجرد المساوي في مقدار المالية و هو القيمة فتكون هي الموافقة للأصل هذا و لكنه يندفع بما حقق في محلّه من ان المناط في الحكم بالبراءة و الاشتغال انما هو إحراز عنوان المأمور به و عدمه فان لم يتحقق إحرازه كان الحكم هي البراءة و ان تحقق إحرازه كان الحكم هو الاشتغال حتى لو كان المورد من قبيل الأقل و الأكثر المتصورين فيما نحن فيه و قد تحقق إحراز العنوان هيهنا لانه قد اشتغلت ذمته بالمال الذي أتلفه و قد وقع الشك في بدلية القيمة عنه حتى تسقطه فتبرء ذمته و الأصل عدم قيامه مقامه و بدليته عنه و كل مورد رجع الشك إلى البدلية بعد ثبوت الاشتغال بالأصل صحّ رفع البدلية بأصالة عدمها و هي أصل موضوعي يترتب عليه الحكم فيترتب عليه بقاء التكليف بأصل المأمور به و هذا بحسب التدقيق و التحقيق من كون العبرة بالأصل الموضوعي فيما لو دار الأمر بينه و بين الأصل الحكمي و ان شئت الجريان على مقتضى الظاهر و ترك التعمق و التدقيق قلت ان أصل الاشتغال و الاستصحاب عدم سقوط التكليف بأصل المال الذي أتلفه جاريان في المقام فلا يكون مقتضى الأصل هي البراءة و انما يكون مقتضاه هو الاشتغال و يلزمه كون ضمان القيمة هو مقتضى الأصل دون ضمان المثل ثم ان هذا كله انما هو بحسب النظر الجليل و اما ما يقتضيه التحقق و يرتضيه النظر الدقيق فهو ان يقال ان هذا المقام ليس من موارد البراءة و الاشتغال بان يكون حد الأمرين موافقا للبراءة و الأخر موافقا للاشتغال لكون المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين المتباينين و ذلك لانه لو كان كيفية وقوع الشك في المقام هي الشك في ان