غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١٩ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
بينها ثالثها ان يقصد واحدا معيّنا عند اللّه كونه ممّا يقع به العقد الخاص و ان كان غير معيّن عنده رابعها ان يقصد الجميع باعتبار انضمام بعضها الى بعض و ان شئت قلت ان يقصد الإنشاء بالمجموع من حيث المجموع الذي يكون كل واحد منها جزء بهذا الاعتبار خامسها ان يقصد كل واحد بعنوان الاستقلال و باعتبار كون كل منها سببا برأسه لتحقق العقد و الحكم في الجميع انما هو عدم تحقق العقد إجماعا مضافا الى انّ المجموع من حيث المجموع ممّا لم يجعل له السّببيّة شرعا قطعا نعم يستثني من الصور المذكورة ما لو قصد كلّ منها مستقلا فإنه يصح في القسم الأول من قسمي الجمع بين الألفاظ المتعددة لكن لا بنفسه بل باعتبار ان من جملتها اللفظ الّذي وقع في الإيجاب أخيرا فيتصل به القبول و يصح العقد باعتبار ذلك اللفظ الواحد مع قبوله المتصل به فليس الصّحة باعتبار كون قصد الإنشاء بكل منها مستقلا سببا و انما هي باعتبار حصول السّبب في ضمنه و يصحّ من القسم الثاني من قسمي الجمع بين الألفاظ المتعددة باعتبار حصول السّبب بالأول مع اتصال قبوله به و بلغو ما بعده من الألفاظ لحصول المسبّب بتحقق سببه المقتضى لعدم تحققه ثانيا و عدم تأثير سببه الثاني لاستحالة تحصيل الحاصل فرع لو قصد الإنشاء بالأوّل في القسم الأوّل بأن قال أنكحت و زوّجت و متعت موكلتي موكّلك و قصد الإنشاء بالأول دون الأخيرين و قال صاحبه قبلت لم يصحّ العقد و مثله غيره بما عدا الأخير فلو قصد الإنشاء بالوسط لم يصحّ العقد ايضا لوقوع الفصل بين الإيجاب و القبول بأجنبي و هما الأخيران اللّذان لم يقصد بهما الإنشاء و قد صرّحوا بكون الفصل مانعا من انعقاد العقد نعم قالوا انه لم يقدح التنفس و السعال و أرادوا بذلك التّمثيل للفصل اليسير المغتفر و قد علم من ذلك انه لو قصد الإنشاء في القسم الأوّل بالأخير صحّ العقد لاتصال القبول به و لو قصد الإنشاء بالأوّل في القسم الثاني لم يكن فيه إشكال أصلا لتعيينه اللفظ و اتصال القبول بالإيجاب و يبقى ما بعد هذا الإيجاب و هذا القبول من الإيجاب و القبول المتأخّرين عنهما لغوا و ان قصد بالمتأخر الاحتياط بعد قصد الإنشاء بالأوّل من دون تردد و تزلزل جاز كما هو الشّأن في كلّ احتياط بعد العمل بمقتضى الفتوى و لو قصد الإنشاء بالأوسط أو الأخير صحّ ايضا بشرط ان يأتي بما تقدّمه على وجه التّردد و التزلزل لانه يورث التزلزل و التردد في صحة المتأخر فيفسد الا ان يقال ان التردد و التزلزل في الأول يوجب بطلانه فيصح الإنشاء بما بعده و هذا وجيه لو التفت الموجب الى هذا المعنى فإنشاء العقد بالمتأخر و قد حكى بعض مشايخنا عن (المصنف) (رحمه الله) انه كان في عقد النّكاح يبتدى بعقد فارسي فيقول بزنى دادم موكله خودم فلانه را بموكّل خود فلان بمهر معلوم ثم يأتي بالعقد العربي و لا يخفى عليك ان المقصود بذلك انّما هو الاحتياط ثم أورد عليه بأنّه مناف للمقصود بل الاحتياط في تركه لان الاكتفاء بالعقد الفارسي خلاف الاحتياط فمع تقديمه لا يؤتى به الا على وجه التردّد و التّزلزل المورث للتردد و التزلزل في لاحقه فالأولى لمن يريد الاحتياط ان يقدم ما يقتضي الفتوى صحّته و يقصد به الإنشاء ثمّ يأتي بما يحتمل على وجه الاحتياط لا ان يقدم مثل العقد بالفارسي الذي لا يصحّ الا في حق من هو غير قادر على العقد بالعربي فإذا لم يصح الفارسي من العالم القادر على العربي فكيف يقدم على العربي تحصيلا للاحتياط بل قد استشكل في مطلق التكرير حتى لو كان قد اتى بالأول على مقتضى الفتوى لان الاحتياط بالثاني لا يتحقق الا مع تحقق نوع شك في الأوّل لكنك خبير بان ما أورده على (المصنف) (رحمه الله) ليس في محله من جهة توجّه المنع الى ما ادعاه من انه مع تقديمه لا يؤتى به الا على وجه التردّد و التزلزل لانه قد يكون على وجه الجزم بصحّته من جهة حكمه بصحة العقد الفارسي حتى من القادر و الإنصاف ان الجزم في ذلك بالنّسبة إلى عقد النّكاح مشكل من جهة ما سيجيء من ان الشّيخ (قدس سرّه) نفى الخلاف عن عدم صحة عقد النكاح بغير العربي في حقّ القادر عليه و نسبه العلامة (قدس سرّه) في كره إلى علمائنا و ان المحقق الثاني (رحمه الله) نفى عنه الريب ثمّ ان ما استشكله أخيرا من مطلق التكرير ساقط و الأمر فيه (حينئذ) سهل إذ غاية ما هناك ان يلغو الاحتياط المتأخر و هو لا يمنع من صحة ما اتى
به على طبق الفتوى و قد علم من جميع ما ذكرناه الحال فيما تعارف من تكرير الأفعال الواقعة في صيغ النكاح بتعديتها تارة بنفسها و اخرى بالحروف المناسبة لكلّ منها و امّا الثانية فبيانها انه لا بد من توجيه الخطاب الى المخاطب و إسماعه إيّاه على الوجه المتعارف فما قد يتّفق من المعاملة بالنيل الحادث في زماننا باطل بل لا بد من إصغاء المخاطب الى المتكلم بحيث يلتفت الى مفهوم كل كلمة برأسها حتى ينتهى المتكلم إلى أخر كلامه فيعقبه بالقبول كما انه لا بد من ان يعرف المتكلم معنى كل كلمة تجري في العقد فيقصد بها معناها و لا يكفى العلم بان المقصود من جميع الكلام المؤلف من الكلمات المتعددة هو المعنى و المقصد الفلاني و يتفرع على ما ذكر انه لو قال بعت هذا المتاع ممن اراده فقال غيره اشريت أو قبلت لم ينعقد البيع لعدم تحقق التّوجيه و كذا لو قال بعت أحدكما فقبل لأن أحدهما مبهم فلا يقبل تعلق الإنشاء الإيجادي به في حال صدوره و تحققه نعم يصحّ تعلق الإنشاء الطلبي بأحدهما المبهم المردد بان يكون مكلفا أو مكلفا به كما في الواجبات الكفائية و التخييرية و وجه صحته هناك انه يجيء التخيير بعد الطلب فيأتي من شاء منهما بالمأمور به أو يأتي المأمور المعيّن بما شاء من فردي المأمور به و هذا بخلاف الإنشاء الإيجادي الذي لا بد له من متعلق يقوم به في الواقع حال صدوره فافهم و امّا الثالثة فالقدر المتيقن الكافل بها هو اللفظ العربي الصحيح الصّريح الماضي المنجز المشتمل على الإيجاب من البائع و القبول المتأخر المتصل المطابق معنى من المشترى و هذا لا خلاف و لا اشكال فيه بل الإجماع بقسميه عليه و نصوص الكتاب و السنة شاملة له هذا بحسب الإجمال و اما بحسب التفصيل فقد ذكر (المصنف) (قدس سرّه) ان الكلام فيه يقع تارة في مواد الألفاظ و اخرى في هيئة كل من الإيجاب و القبول و ثالثة في هيئة تركيب الإيجاب مع القبول
قوله (رحمه الله) امّا الكلام من حيث المادة (فالمشهور) عدم وقوع العقد بالكنايات
أقول التقييد بقوله من حيث المادة يعطي ان الكناية من حيث الهيئة ممّا لا مانع منه و انه ليس محلّ البحث عند الفقهاء و ليس (كذلك) ففي (المبسوط) و عندنا ان قوله أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط فان نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى ان تقول انه يقع به و قال بعضهم هو كناية انتهى و قال أيضا فإن قال أنت الطلاق فعندنا ليس بصريح و الكناية لا نقول