غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٨ - رابعها إباحة المال بإزاء الإباحة
فيه الالتماس و الجواب و لا تعتبر الصّيغ المتقدّمة إجماعا انتهى و استشكل عليه بعض من تأخّر بأنّ كون المراد من القول المذكور ما ذكره العلامة (قدس سرّه) لم يقم عليه إجماع و انّما هو معنى ذكره هو (رحمه الله) و هو ممنوع فليس المراد هو البيع الضّمني حتّى لا يحتاج الى الشّروط المقرّرة لعقد البيع و انما المراد هو البيع و التمليك الصّريح بان يكون وكيلا عن القائل فيبيع العبد عليه و يقبل عنه بوكالته ثمّ يعتقه بعد ان صار العبد ملكا له بوكالته عنه و اين هذا من البيع الضّمني الذي ادعى (رحمه الله) دلالة الكلام عليه ثمّ استشهد لما ذكره بأنّ علماء الأصول عقبوا قوله أعتق عبدك عنى بكذا بقولهم اى مملكا و لا يفهم منه الا التّمليك الصّريح المستقبل و اين هو من التّمليك الضّمني ثمّ ان ذلك البعض قد اعترف في دفع الإشكال بأن وقوع البيع الضّمني في الكلام المذكور إجماعي و قد صرّح به غيره من فقهائنا الا انّهم اختلفوا في استحقاق عوض العبد على القائل إذا أعتق المالك عنه فتأمّل و إذ قد عرفت ذلك نقول كما قال (المصنف) (قدس سرّه) لا يلزم من ذلك ثبوت مثله في غير هذا المورد مثل بع مالي لك و نحوه فلا مجال لالتزام البيع الضّمني لأن ذلك حكم على خلاف القواعد قد التزمنا به فيما قام عليه الإجماع فكفاية ذلك شرعا في العتق لإجماع أو نحوه غير قاضية بكفايته في غيره إذ قد يفرق بينهما بإمكان حصول الغرض في البيع مثلا بإباحة التصرّف في الثّمن مع كونه ملكا لصاحب العين فلا ضرورة إلى دخولها في ملك البائع قبل البيع كي يكون الثّمن له بدلا بخلاف العتق فإن برأيه الذمّة منه لعلّها موقوفة على دخوله فلا بأس بشرعيّة التّقدير فيه دون غيره
قوله (رحمه الله) و لا شك انّ المقصود فيما نحن فيه ليس الاذن في نقل المال أولا و لا في نقل الثّمن اليه ثانيا
(انتهى) مع انا نقول انه لو قصد مثل ذلك كان خارجا عن مفروض بحثنا الّذي هو بقاء العين على ملك مالكه مع اباحة جميع المنافع حتّى ما يتوقف منها على الملك
قوله و امّا الكلام في صحّة الإباحة بالعوض سواء صحّحنا اباحة التصرّفات المتوقفة على الملك أم خصّصنا الإباحة بغيرها
(انتهى) المراد بالإباحة بالعوض معاوضة إباحة ماله بمال صاحبه بعد الفراغ عن كون نفس الإباحة جائزة شرعا بدون عوض و لهذا أشار بالتّعميم بقوله سواء (انتهى) الى جريان البحث على القولين فإنّا ان قلنا بإباحة التصرّفات المتوقفة على الملك حرّرنا البحث في معاوضة إباحة التصرفات (مطلقا) حتّى المتوقفة على الملك و ان منعنا من اباحة التصرّفات المتوقفة على الملك و اقتصرنا على تجويز اباحة غيرها حررنا البحث في معاوضة إباحة التصرّفات الغير المتوقفة على الملك ضرورة كون ما يتوقف على الملك على هذا التقدير ممّا لا مساغ لتجويزه قطعا و كيف كان فهذا القسم هو الوجه الثالث الذي ذكره بقوله ان يقصد الأوّل إباحة ماله بعوض فيقبل الأخر بأخذه إياه فيكون الصّادر من الأول الإباحة بالعوض و من الثاني بقبوله لها التمليك كما لو صرّح بقوله أبحت لك كذا بدرهم
قوله بل كلاهما ملك للمبيح
اما ماله فلانّه لم يخرجه عن ملكه غاية ما في الباب انه أباح لصاحبه التصرّف فيه و اما مال صاحبه فلان المفروض انّه صار عوضا للإباحة فصار ملكا للمبيح نظير صيرورة الثمن ملكا للبائع
قوله فيشكل الأمر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعا و عرفا مع التّأمّل في صدق التّجارة عليها فضلا عن البيع الا ان يكون نوعا من الصّلح لمناسبته له لغة لأنّه في معنى التسالم على أمر بناء على انّه لا يشترط فيه لفظ الصّلح كما يستفاد من بعض الاخبار الدالّة على صحّته بقول المتصالحين لك ما عندك و لي ما عندي و نحوه ما ورد في مصالحة الزّوجين و لو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم النّاس مسلّطون و المؤمنون عند شروطهم
أقول قوى بعض من تأخر عدم شرعيّة مثل هذه المعاملة نظرا إلى انّه لم يثبت من الشّرع فينفيه الأصل بمعنى أصالة عدم تجويز (الشارع) و تقريره له و يجري في مورده على تقدير الشكّ في صحّته كما هو المفروض أصالة عدم انتقال العوض من صاحبه الى غيره و ذلك لعدم اندراج المعاملة المذكورة في العمومات الّتي يحتمل إفادتها لشرعيتها مثل قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ لان الترخيص في أكل المال الناشي عن التجارة الناشئة عن التّراضي ليس ترخيصا في أحداث أيّ عنوان شاء و إبل هو إشارة إلى الترخيص في التجارات المعهودة الناشئة عن التراضي و (كذلك) قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه إشارة إلى إيجاب الوفاء بالعقود المعهودة المتعارفة و قد تقدم ما يعلم منه سقوطه نعم ما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) من التأمّل في أصل صدق مفهوم التجارة على مثل هذه المعاملة في محلّه لكن يبقى صحّة التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على تحقق العقد بمجرّد القصد و الفعل و ان لم يقترنا باللّفظ ثمّ ان ظاهر كلام (المصنف) (قدس سرّه) الاشكال و التردّد في الحكم و ان كان يأتي منه (رحمه الله) في الإباحة بالإباحة ما يدل على ان الأقوى عنده في الإباحة بالعوض الصحّة و اللّزوم و وجه الجواز ما أشار إليه من انه يحتمل ان يكون صلحا و يحتمل ان يكون عقدا مستقلا و أورد عليه ذلك البعض بان ما ذكره من المبنى و هو كون معنى الصّلح هو التسالم و ان كان مسلما الا انّه لا يكفي في تحقق الصّلح وقوع مصداق التسالم و التّصالح كيف ما اتفق بل لا بد فيه من قصد عنوان الصّلح و تأدية عقده بمفهوم الصّلح و التسالم على ما هو الشّأن عند أكثر الفقهاء (رضي الله عنه) بل ما هو (المشهور) الّذي يلحق خلافه بالنادر من انّه يعتبر في كل عقد من العقود قصد عنوان ذلك العقد فلا بد في البيع من قصد عنوانه و لا يكفى مطلق تمليك العين و هكذا غيره غاية ما في الباب انه خرج بعض موارد الإجارة بالدّليل و بقي الباقي تحت قاعدتهم المعروفة عندهم و أقول ما ادعاه من الشّهرة لم يتحقق بل (الظاهر) خلافه و لا دليل على اعتبار قصد ما زاد على المفهوم الّذي على المفهوم الّذي يصدق عليه عنوان العقد و قوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين يجري في كلّ ما صدق عليه الصّلح و تقييده يحتاج الى دليل مضافا الى ان ما استشهد به من بعض الاخبار المفيدة لتحقق الصّلح بان يقول أحدهما للآخر لك ما عندك و لي ما عندي واف بمقصود (المصنف) (رحمه الله) لان الخبر المذكور عبارة عن رواية محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام