جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ١٠٤ - ذكر و تعقيب
و السرّ في ذلك: هو أنّه بعد ما لم تكن دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة، فلا بدّ و أن يكون لإحضار اللّفظ معنىً بأحد وجهين: إمّا أن يكون المعنى موضوعاً له اللّفظ، أو لازماً بيّناً للموضوع له؛ بحيث ينتقل الذهن من اللّفظ إلى المعنى الموضوع له، ثمّ ينتقل الذهن من المعنى الموضوع له إلى اللازم، كلفظة النار حيث إنّها وضعت لموجود معروف، و حيث إنّ بين النار و الحرارة تلازماً، تحضر الحرارة في الذهن عند إلقاء لفظة النار، فيعدّ هذا أيضاً من دلالة الألفاظ، على إشكال ذكرناه في محلّه: أنّه في الحقيقة من دلالة المعنى على المعنى، لا من دلالة الألفاظ.
و في غير ذينك الوجهين لا يُحضِر اللّفظُ المعنى؛ و لو كان بين المعنى الموضوع له و ذلك المعنى تلازم خارجيّ، كالتلازم بين الإنسان و بين قابليّته للصنعة و الكتابة، أو التلازم بين زاويتين قائمتين و بين الزوايا الثلاث للمثلّث؛ حيث إنّ التلازم في الموردين- مثلًا- إنّما هو واقعيّ و خارجيّ لا ذهنيّ؛ لأنّه يحتاج في إحضار طبيعة الإنسان لقابليّة الصنعة و الكتابة، إلى استقراء و تتبّع في أفراد هذه الطبيعة، و في إحضار الزاويتين للزوايا إلى إقامة برهان هندسيّ عليه. و من الواضح أنّ للماهيّة- في وجودها الخارجي- سعة وجوديّة متعانقة مع الخصوصيّات، سواء علم بها أو لا، و لم يكن بين الماهيّة و خصوصيّاتها تلازم ذهنيّ، و مجرّد لحاظ الخصوصيّات لا يوجب أن تكون موضوعة لها، فبإلقاء اللّفظ لا تحضر الماهيّة المعتنقة مع الخصوصيّات، و إنّما يحضر نفس المعنى و الطبيعة.
و الحاصل: أنّه إذا وضع اللّفظ للطبيعة المضافة يكون الوضع و الموضوع له خاصّين، و إن لوحظ السريان حال الوضع لنفس الطبيعة، و وُضع اللّفظ لنفس الطبيعة، فلا يُحضرها إلّا إذا كان بينهما تلازم بيِّن بالمعنى الأخصّ، و واضح أنّه لم يكن التلازم بينهما كذلك، بل الموجود بينهما هو التلازم بحسب الوجود و الخارج فتدبّر.